د. جاسم محمد الأنصاري

منذ أن بدأت أعمال الإنشاءات في الجسر الذي يربط المملكة العربية السعودية بمملكة البحرين في سنة 1981 وجموع الناس من الدولتين يتطلعون إلى اليوم الذي يتمكنون فيه من التنقل بسياراتهم بين البلدين. تشرفت بحضور حفل افتتاح جسر البحرين أو جسر المحبة في سنة 1986 برعاية كريمة من الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله وسمو الشيخ عيسى بن سلمان رحمه الله. أطلق على الجسر خلال الحفل اسم جسر الملك فهد وأعلن الافتتاح الرسمي للعبور البري بين البلدين. تدفقت السيارات على بوابة الجسر وشدهم رؤية التحفة الهندسية الممتدة بين مدينة الخبر ومدينة المنامة بطول 25 كيلومترا داخل مياه الخليج العربي. إجراءات العبور كثيرة تتطلب تعبئة أوراق وبطاقات والحصول على أختام عدة إضافة إلى الوقوف في محطات كثيرة قبل الوصول إلى وجهة سفرهم في البحرين أو في السعودية. كانت أعداد الكبائن محدودة وتسببت في تكدس السيارات لساعات وتذمر الناس من طول الانتظار، مما حدا بالجهات المعنية في إدارة الجسر بدراسة الوضع بصورة دورية وإدخال تعديلات جذرية سهلت على الناس العبور وإنهاء إجراءتهم في مدد أقصر. توالت هذه التغييرات على مدى السنين وبسطت الإجراءات وعدلت البنى التحتية وقلت فترة الانتظار والعبور. انقطعت عن استخدام المسار العام مدة طويلة واستخدمت المسار الخاص إلى أن توقفت الحركة على الجسر بسبب جائحة كورونا.. في الخامس من شوال في هذا العام أعلنت الدولة السماح بعبور الجسر ولكن بشروط لضمان سلامة الجميع. توجهت برفقة زوجتي بعد أيام من السماح بالسفر إلى الجسر لزيارة ابنتي وأحفادي الذين يقيمون في البحرين وتوقفنا في بوابة الدخول ولاحظت أن الدفع أصبح إلكترونيا مما وفر علينا عناء البحث عن المبالغ المطلوبة ووقت الانتظار. توجهت عبر المسار العام إلى النقطة الأولى وهي نقطة الجمارك واستقبلنا أحد شبابنا بابتسامة وترحيب وأنهى إجراءات دخولنا وتمنى لنا رحلة طيبة. توجهنا بعدها إلى الجوازات واستقبلنا أحد أبنائنا من منسوبي الجوازات بابتسامة ورحب بنا واستفسر بكل لطف عن تطبيق توكلنا وتأكد من تطابقها مع الإجراءات المطلوبة ثم قال «الله يسهل دربكم» شكرناه وسرنا إلى الجانب البحريني وكانت المعاملة شبيهة بمعاملة الجانب السعودي ثم سلكنا طريقنا إلى وجهتنا. شدني رقي التعامل وحسن الخلق ومهنية العاملين من الشباب والشابات في كلا الطرفين سواء في الذهاب أو العودة وكشهادة حق.. فالجسر في غاية النظافة والترتيب وسعدت بكثافة الكبائن التي تخدم الجمهور. توجهت بالحديث إلى زوجتي وقلت لها ألا ترين ما كنا عليه وماذا أصبحنا، كنا نشاهد مثل هذه التعاملات والبنى التحتية في الدول المتقدمة، واليوم نعيش أفضل منها في وطننا. نعم رياح التغيير والتطوير طالت الكثير من مرافقنا الخدمية التي سخرت لراحة الجميع وخير دليل خدمات أبشر ووزارة العدل والتجارة وغيرها من الوزارات التي تخدم المواطن والمقيم، كما لا تفوتني الإشادة بروعة التنظيم ورقي التعامل عندما توجهنا إلى مراكز التطعيم لأخذ لقاح كورونا. لا أقول إننا وصلنا إلى هذه المراحل من الخدمات في جميع مرافقنا ولكننا في الطريق الصحيح لتحقيق ذلك. يحق لنا أن نفخر بهذا الوطن وببداوته وبنشأتنا في خيام وعشش وبرستيات.. والمثل الشعبي يقول «اللي ما له أول.. ما له تالي» ولكننا تعلمنا وبنينا أنفسنا ودولتنا وكان لقيادتنا الحكيمة الفضل بعد الله في ذلك وأصبحنا أساتذة جامعات وأطباء ومهندسين ومحامين وقضاة وفنيين نقارع التكنولوجيا ونبني المصانع العملاقة والمدن الصناعية كالجبيل التي تشرفت بإدارتها لفترة اثني عشر عاما. لمن ينعتنا بصفات يظنونها تعيبنا نقول سامحكم الله وأصلح حالكم وليكن لكم في المملكة العربية السعودية بلد الحرمين الشريفين خير قدوة.