من الطبيعي أن تتتابع التغيرات في حياة الأمم والأفراد وتتسارع في جميع العصور نظرا للطبيعة الإنسانية في البحث عن الأفضل، وهي في عصرنا الحاضر أكثر سرعة في التعرض لهذه التغيرات، ولعل سبب ذلك هو وسائل التواصل وانتقال الأفكار والمعلومات والثقافات في كل عصر من العصور، فقبل نصف قرن من الزمان كان الحديث حول أثر وسائل الاتصال في إحداث هذه التغيرات، بينما يدور الحديث الآن عن وسائل الاتصال والتقنيات الحديثة والشبكة العالمية للإنترنت التي فاق تأثيرها كل ما سبقها من الوسائل في مختلف العصور ليس لسرعتها فقط، بل وبانتشارها في كافة بقاع الأرض ووصولها إلى الأمم والشعوب والأفراد بكافة لغاتها وأوطانها وثقافاتها، وفي جميع الأحوال فإن الأطفال والمراهقين يظلون هم الأكثر عرضة للتأثيرات السلبية لهذه الوسائط التي هي سلاح ذو حدين فهي تحمل ما هو مفيد وإيجابي كما تحمل الكثير من السلبيات التي تكون هذه الفئة أكثر عرضة لها من غيرها، مما جعل المربين والمفكرين يولون هذه المعضلة ما تستحق من الاهتمام في محاولة للحد من هذه الآثار ووقاية الأطفال منها، ومن المشكلات التي تنجم عن انتشار هذه الوسائط ازدياد ساعات انشغالهم بهذه الوسائط مما يؤثر على مستوياتهم الدراسية وانشغالهم عن أداء واجباتهم، بل التأثير على صحتهم، وخاصة البصر الذي يركزون من خلاله ساعات طويلة على شاشات الأجهزة الذكية مشغولين أكثر الوقت بألعاب وأفلام قد تحمل هي أيضا كثيرا من الآثار السلوكية السلبية، وخاصة الترويج للعنف وتكوين صورة سلبية للعالم لدى الأطفال مما يشكل لديهم نظرة سلبية نحو الآخرين، خاصة عندما تنقل هذه الوسائط أخبار وصور أحداث العنف والكوارث والحروب التي تنتشر في كثير من بقاع العالم، ومما يزيد تأثير هذه الوسائط قدرتها على التشويق وجذب انتباه الأطفال في ظل فقدان وسائل مؤثرة أخرى تراجع تأثيرها مثل الكتب ومجلات الأطفال التي ضعف فيها النشر والطباعة، وانصرف عنها الكثيرون إلى هذه الوسائط الأكثر تأثيرا. كل هذه الأسباب والمبررات تتطلب أن تخضع هذه القضية للدراسة والمتابعة في سبيل الحد من آثارها السلبية، وفي نفس الوقت تغليب الجوانب الإيجابية لهذه الوسائط خاصة وأن ثقافة الأطفال والبالغين التقنية واكتسابهم مهارات التعامل معها أصبحت ثقافة مهمة لا يمكن الاستغناء عنها لأي فرد حيث حلت الأمية الإلكترونية محل الأمية الهجائية، خاصة وأن التحول التقني شمل كافة مجالات الحياة، ولم يعد الفرد كائنا من كان يستغني عنها في حياته اليومية والعملية، بل أصبحت شرطا لحصول الإنسان على عمل أو ممارسة عمله الخاص أيضا. وقد اتضحت أهمية هذه المهارات وامتلاكها على ضوء الظروف التي صاحبت جائحة كورونا والتحول المفاجئ إلى التعلم عن بعد مما استدعى أن يكون المعلمون والطلاب بل حتى أولياء الأمور لديهم قدرة على توظيف هذه التقنية، وقد ساهم وجود هذه المهارات لدى الطلبة والمعلمين في بلادنا في إمكانية استمرار عملية التعليم في مراحل التعليم المختلفة رغم الاضطرار للجوء للتعلم عن بعد. ومع ذلك فإن وضع الحلول والأساليب التي تحد من الآثار السلبية لانصراف الأطفال والمراهقين وحتى الشباب للاستخدام المفرط وقضاء أوقات أكثر من اللازم، وكذلك ترشيد نوعية المحتوى الإلكتروني وتنقيته من الشوائب السلوكية التي قد تؤثر فيهم في الاتجاه الذي لا نريد يظل واجبا حتميا ليس على الأسرة فحسب، بل وعلى المدرسة والجامعة والمسجد ووسائل الإعلام المختلفة قبل فوات الأوان.
Fahad_otaish@
Fahad_otaish@