«الحياة مطاردة لا تتوقف، ولهاث لا يهدأ، وقلق لا يكف، وألم لا يستكين، لكن في النهاية، سيغدو كل ذلك هشيما تذروه الأيام» تلك هي القناعة الجديدة التي اعتنقتها لمياء من أمام البحر.
في اليوم التالي، وكما هي تقاليد أي يوم دراسي، تناولت عباءتها الدهماء وأسدلتها عليها ثم خرجت للوقوف على ناصية الانتظار المقابلة للبيت، وأخذت مكانها إلى جانب زميلاتها المنتظرات للحافلة المدرسية التي وصلت وكانت تتنفس كمية كبيرة من الدخان الكثيف. اعتلت الفتيات الحافلة، وسارت لمياء بين المقاعد ببطء وبصرها ممتد إلى المقعد الأخير في ظهر الحافلة، ارتمت في أحضان المقعد منهكة وأغمضت عينيها مسافة الطريق. الصمت يطبق على فضاء الحافلة ولا يمزق ذلك الصمت سوى هدير المحرك الفظ الذي يخترق الآذان. كانت الحافلة تنهب الأرض لتوصلهن إلى المدرسة قبل أن يقرع الجرس، والسائق ينعطف بغتة في الممرات عامدا لذلك. هي محاولة غير بريئة قد تسقط على إثرها إحدى الفتيات الواقفات عليه قسرا، فيدفعها بعد ذلك للنهوض.
بعد الوصول للمدرسة، وقبل بدء الطابور الصباحي بدقائق، احتشدت الطالبات في الفناء المدرسي على شكل مجموعات لتبادل الأحاديث، واندمجت لمياء مع مجموعتها المعتادة حتى تسللت بينهن غادة، الشخصية المترفة المتغطرسة التي تشمئز حتى من تكدس الطالبات عند المقصف المدرسي، فتكلف أي طالبة معوزة أن تبتاع لها فطورها لقاء حفنة مال، وراحت ترمق لمياء بنظرة هازئة بداية من حذائها المهترئ مرورا بزيها الباهت ووصولا لشعرها المضفور، ثم بدأت حفلة الإهانات، وقالت في صفاقة:
- أنا في حيرة، كيف تجرئين على القدوم للمدرسة بهذا المنظر؟! إذا كنت لا تمتلكين أفضل من هذه الثياب، فأخبريني كي أجلب لك من ثيابي حتى تتخلصي من هذه الأطمار. وراحت تسترسل في ذلك.
وقفت الطالبات مشدوهات من هول ما سمعن، وأطرقن رؤوسهن والصمت يخيم عليهن. تضاءلت لمياء وابتلعت الألم وهي مهشمة تماما كلوح زجاجي سقط على الأرض فتبددت شظاياه، ودلفت إلى الفصل وهي ممتقعة الوجه وشعور الاستخذاء يدثرها وحدقتاها تهطلان دموعا مخبوءة خلف كفيها. تبوأت مكانها في الخلف وحواسها في مكان آخر. كان أطول يوم دراسي على الإطلاق.
انتهى اليوم رغم طوله وعادت إلى المنزل مثخنة بالجراح. أوت إلى غرفتها وتكومت بمحاذاة سريرها ساعات طويلة دون أن ترى أحدا، تغزل عزلتها بحرير الصمت حتى داهمتها أختها سلمى، وسألتها ذاهلة:
- ما بك؟!
قالت بصوت متهدج وأمارات الحزن ترتسم على وجهها:
- في صدري لواعج الكون.
حاولت سلمى جاهدة أن تعضدها وتمتص حزنها دون جدوى.
غانم المتطفل على المناسبات والولائم كان ذات يوم في مأدبة عشاء، وتسرب منها ضاحكا مسرورا وهو يتلمظ ببقايا الطعام، انتكص عن موقفه وقرر أن يرأب الصدع ويصالح ابنته لمياء، وذرع الطريق حتى وصل إلى بيت زوجته صفية فدخل عليها وهي مشعلة المجمرة، ورائحة العود تضوعت في البيت كاملا. اكتبى بالعود وثيابه رثة، ثم هتف باسم لمياء، التي جاءت وقلبها يتواثب خوفا وتحاذر النظر إليه. أظهر كيسا بلاستيكيا شفيفا كان يتوارى خلفه وأخذ يطوح به قليلا في مرح، ثم قذف به عليها وطلب منها أن تفتحه، جذبته بعد تردد ثم فتحته وأخرجت منه قطعة قماش. يبدو أنها هدية الترضية التي رفضتها.
سألها غانم عن الهدية التي تود، فاشترطت أن تذهب للسوق لتبتاع لنفسها هدية قيمة توازي حجم الكلم الذي تسبب لها فيه أبوها. أومأ إليها موافقا.
تولج الأمر أخوها غير الشقيق سليمان الذي أقلها بسيارته إلى أحد الأسواق الشعبية كي يشتري لها ساعة يد بثمن بخس وسط ذهولها. حاولت أن تبدي اعتراضها لكنه أخذ يتفذلك دون أن يقنعها حديثه.
استوعبت أنها خدعة قد أعدها أبوها غانم وباركها أخوها سليمان المقرب جدا منه.
عندما ذرف على الستين من العمر، أكمل غانم النصاب وتزوج زوجة رابعة شابة من مدينة مجاورة، على قدر من الجمال، ذات وجه مستدير يختبئ طيلة اليوم خلف مساحيق التجميل، وحدقتين واسعتين تتواريان خلف العدسات الملونة. امتلكت مفاتيح قلبه وشغفها حبا. عاشت معه مدة قصيرة ثم سئمت مدينته، وطلبت منه أن يقيم معها في مدينتها. في بادئ الأمر كان القرار عصيا عليه، لكن مع إلحاحها سرعان ما استجاب، وبدأ في تشييد منزل ضخم، وبعد أن اكتمل، هاجر وأخذ معه زوجاته الثلاث وأبناءهن، وبارح صفية التي كانت الحلقة الأضعف مع بناتها في المدينة الساحلية دون أن يعبأ بما قد يجري لهن في بعده.
كانت السيارة التي تقله تذرع الطريق حتى توصله لوجهته، والمدينة الجديدة بمبانيها الشامخة تواصل اقترابها منه. (كم بقي من الوقت حتى نصل؟) عبارة سئم السائق من اجترارها على مسامعه.
سلمى أخت لمياء التي تكبرها بعدة سنوات بالكاد أكملت دراستها المتعثرة في مدارس محو الأمية، خفيفة ظل وتأتلق في نفسها روح الدعابة، وأسندت إليها مهام رجل المنزل الغائب في سن مبكرة. تذهب للتبضع وتتعرض كثيرا للمضايقات سواء من الباعة في الأسواق الذين يحاولون امتشاق النظر لها أو حتى المساس بيدها أثناء دفعها للحساب، أو من المارة على قارعة الطريق الذين يقفون ليعرضوا عليها خدمات توصيلها لإراحتها من عناء حمل الأعباء مثلما يزعمون.
ترك غانم مدينته التي تحتضن ماضيه وذكرياته، ونسي -قبل ذلك- صفية وبناته قبالة بحرها، ويمم وجهه شطر المدينة الغريبة التي سوف تستقبله، والحياة الجديدة التي تنتظره.
«تمت»
@raedaalbaghli
في اليوم التالي، وكما هي تقاليد أي يوم دراسي، تناولت عباءتها الدهماء وأسدلتها عليها ثم خرجت للوقوف على ناصية الانتظار المقابلة للبيت، وأخذت مكانها إلى جانب زميلاتها المنتظرات للحافلة المدرسية التي وصلت وكانت تتنفس كمية كبيرة من الدخان الكثيف. اعتلت الفتيات الحافلة، وسارت لمياء بين المقاعد ببطء وبصرها ممتد إلى المقعد الأخير في ظهر الحافلة، ارتمت في أحضان المقعد منهكة وأغمضت عينيها مسافة الطريق. الصمت يطبق على فضاء الحافلة ولا يمزق ذلك الصمت سوى هدير المحرك الفظ الذي يخترق الآذان. كانت الحافلة تنهب الأرض لتوصلهن إلى المدرسة قبل أن يقرع الجرس، والسائق ينعطف بغتة في الممرات عامدا لذلك. هي محاولة غير بريئة قد تسقط على إثرها إحدى الفتيات الواقفات عليه قسرا، فيدفعها بعد ذلك للنهوض.
بعد الوصول للمدرسة، وقبل بدء الطابور الصباحي بدقائق، احتشدت الطالبات في الفناء المدرسي على شكل مجموعات لتبادل الأحاديث، واندمجت لمياء مع مجموعتها المعتادة حتى تسللت بينهن غادة، الشخصية المترفة المتغطرسة التي تشمئز حتى من تكدس الطالبات عند المقصف المدرسي، فتكلف أي طالبة معوزة أن تبتاع لها فطورها لقاء حفنة مال، وراحت ترمق لمياء بنظرة هازئة بداية من حذائها المهترئ مرورا بزيها الباهت ووصولا لشعرها المضفور، ثم بدأت حفلة الإهانات، وقالت في صفاقة:
- أنا في حيرة، كيف تجرئين على القدوم للمدرسة بهذا المنظر؟! إذا كنت لا تمتلكين أفضل من هذه الثياب، فأخبريني كي أجلب لك من ثيابي حتى تتخلصي من هذه الأطمار. وراحت تسترسل في ذلك.
وقفت الطالبات مشدوهات من هول ما سمعن، وأطرقن رؤوسهن والصمت يخيم عليهن. تضاءلت لمياء وابتلعت الألم وهي مهشمة تماما كلوح زجاجي سقط على الأرض فتبددت شظاياه، ودلفت إلى الفصل وهي ممتقعة الوجه وشعور الاستخذاء يدثرها وحدقتاها تهطلان دموعا مخبوءة خلف كفيها. تبوأت مكانها في الخلف وحواسها في مكان آخر. كان أطول يوم دراسي على الإطلاق.
انتهى اليوم رغم طوله وعادت إلى المنزل مثخنة بالجراح. أوت إلى غرفتها وتكومت بمحاذاة سريرها ساعات طويلة دون أن ترى أحدا، تغزل عزلتها بحرير الصمت حتى داهمتها أختها سلمى، وسألتها ذاهلة:
- ما بك؟!
قالت بصوت متهدج وأمارات الحزن ترتسم على وجهها:
- في صدري لواعج الكون.
حاولت سلمى جاهدة أن تعضدها وتمتص حزنها دون جدوى.
غانم المتطفل على المناسبات والولائم كان ذات يوم في مأدبة عشاء، وتسرب منها ضاحكا مسرورا وهو يتلمظ ببقايا الطعام، انتكص عن موقفه وقرر أن يرأب الصدع ويصالح ابنته لمياء، وذرع الطريق حتى وصل إلى بيت زوجته صفية فدخل عليها وهي مشعلة المجمرة، ورائحة العود تضوعت في البيت كاملا. اكتبى بالعود وثيابه رثة، ثم هتف باسم لمياء، التي جاءت وقلبها يتواثب خوفا وتحاذر النظر إليه. أظهر كيسا بلاستيكيا شفيفا كان يتوارى خلفه وأخذ يطوح به قليلا في مرح، ثم قذف به عليها وطلب منها أن تفتحه، جذبته بعد تردد ثم فتحته وأخرجت منه قطعة قماش. يبدو أنها هدية الترضية التي رفضتها.
سألها غانم عن الهدية التي تود، فاشترطت أن تذهب للسوق لتبتاع لنفسها هدية قيمة توازي حجم الكلم الذي تسبب لها فيه أبوها. أومأ إليها موافقا.
تولج الأمر أخوها غير الشقيق سليمان الذي أقلها بسيارته إلى أحد الأسواق الشعبية كي يشتري لها ساعة يد بثمن بخس وسط ذهولها. حاولت أن تبدي اعتراضها لكنه أخذ يتفذلك دون أن يقنعها حديثه.
استوعبت أنها خدعة قد أعدها أبوها غانم وباركها أخوها سليمان المقرب جدا منه.
عندما ذرف على الستين من العمر، أكمل غانم النصاب وتزوج زوجة رابعة شابة من مدينة مجاورة، على قدر من الجمال، ذات وجه مستدير يختبئ طيلة اليوم خلف مساحيق التجميل، وحدقتين واسعتين تتواريان خلف العدسات الملونة. امتلكت مفاتيح قلبه وشغفها حبا. عاشت معه مدة قصيرة ثم سئمت مدينته، وطلبت منه أن يقيم معها في مدينتها. في بادئ الأمر كان القرار عصيا عليه، لكن مع إلحاحها سرعان ما استجاب، وبدأ في تشييد منزل ضخم، وبعد أن اكتمل، هاجر وأخذ معه زوجاته الثلاث وأبناءهن، وبارح صفية التي كانت الحلقة الأضعف مع بناتها في المدينة الساحلية دون أن يعبأ بما قد يجري لهن في بعده.
كانت السيارة التي تقله تذرع الطريق حتى توصله لوجهته، والمدينة الجديدة بمبانيها الشامخة تواصل اقترابها منه. (كم بقي من الوقت حتى نصل؟) عبارة سئم السائق من اجترارها على مسامعه.
سلمى أخت لمياء التي تكبرها بعدة سنوات بالكاد أكملت دراستها المتعثرة في مدارس محو الأمية، خفيفة ظل وتأتلق في نفسها روح الدعابة، وأسندت إليها مهام رجل المنزل الغائب في سن مبكرة. تذهب للتبضع وتتعرض كثيرا للمضايقات سواء من الباعة في الأسواق الذين يحاولون امتشاق النظر لها أو حتى المساس بيدها أثناء دفعها للحساب، أو من المارة على قارعة الطريق الذين يقفون ليعرضوا عليها خدمات توصيلها لإراحتها من عناء حمل الأعباء مثلما يزعمون.
ترك غانم مدينته التي تحتضن ماضيه وذكرياته، ونسي -قبل ذلك- صفية وبناته قبالة بحرها، ويمم وجهه شطر المدينة الغريبة التي سوف تستقبله، والحياة الجديدة التي تنتظره.
«تمت»
@raedaalbaghli