رائد البغلي

على أرض المدينة الساحلية الملتحفة بالحر القائظ أغلب العام، والمكتنفة بالأشجار وعذوق النخيل السامقة، سقط رأس غانم، ونشأ وترعرع في أزقتها وعلى سواحلها، وجابها طولا وعرضا، بحثا عن فرصة لامعة تنقله من ضفة الفقر إلى ضفة الغنى. بدا شغوفا بالثراء وحصد المال، براغماتيا لا يكترث بالوسيلة التي يكتنز المال من خلالها، مولعا بتعدد الزوجات وقد لا يحصي عدد زيجاته ونسائه اللاتي ارتبط بهن طيلة حياته، بل وقد لا يعلم عن عدد أبنائه وبناته ولا يتذكر حتى أسماءهم جميعا.

ذو شخصية صلدة، تهابه نساؤه وبناته، له شارب كث أشيب يهبه وقارا فوق وقاره، وبشرة داكنة دبغتها الشمس حتى اصطبغت بالسمار، وكرش ضخم متدل أمامه.

كان يخب ويتعثر فيكبو، ثم ينفض الغبار من عليه فينبري مجددا ويكشف صدره لرياح الحياة العاتية، وبعد أن كان غارقا في أغوار الفقر المدقع، انتشلته طفرة اقتصادية حدثت في البلاد فأوصلته إلى الغيم، وأضحى من الأثرياء، ورغم ذلك لم يفتأ يرزح تحت وطأة التقشف والتقتير. كان ممسكا يحتجب خلف تقاليد الفقر خشية الحسد، ويروج في المجالس والدواوين التي يرتادها أنه من الطبقة الكادحة حتى تفقد عيون الحسد أثره، فجاءه رد سريع من أحدهم كموج ثائر هجم على المرسى:

- أنا اقتنعت الآن بأن الطبقة التي أنتمي لها لا تصنيف لها إذا كنت أنت من الطبقة الكادحة!

بعد بيت القرميد العتيق الذي كانت تقطنه الزوجة الثانية صفية وبناتها ويحتشد بالصراصير والفئران وشيء من الحشرات الزاحفة، انتقلوا لبيت قديم لكنه أكثر حداثة وتزويقا مقارنة بسابقه.

لمياء -إحدى بنات صفية- تدرس في المرحلة الثانوية، ويكسوها حرج شديد أمام أترابها نظر الحياة الكابية التي تعيشها، فكانت تحاصر أبيها بطلباتها التقليدية، ويهرب منها بذريعة أنه لا يملك ما يمنحها إياه، وأن عليها أن تتحلى بالصبر.

كانت ذات يوم في زيارة خاطفة لأختها غير الشقيقة فريدة من زوجة أبيها الثالثة، ومن باب التباهي والاختيال كشفت لها عن صوانها المترع بعدد هائل من الفساتين والحقائب والأحذية. صعقت لمياء وقالت بعيون مشدوهة:

- كيف لديك كل هذا وأنا لا؟!

ابتسمت وأطلقت نحوها نظرة ماكرة وكأنها تقول في سرها: (الناس مقامات)

أردفت لمياء في حنق:

- أبوك ظالم.. ظالم، لا هناك الله فيما أخذت.

عادت إلى منزلها مطرقة، كأنها جندي خرج من حرب خاسرة جارا أذيال الهزيمة.

غابت الشمس وحل الظلام، وفي الهزيع من الليل كان هناك من يقرع الباب بضربات غليظة متسارعة وكأن قبضته سوف تخترقه، ومن خلفه ينبعث صوت أجش يهتف:

- افتحي الباب وإلا حطمته فوق رأسك.

هرعت مذعورة لتفتح الباب لتجد أباها غانم ينتصب أمامها كهضبة نائفة، يزبد ويرعد ويزمجر ولا قوى تستطيع أن تخبو نار غضبه. يبدو أنه حدث ما كان في الحسبان. فريدة أخلصت في نقل ما حصل له.

ماج وصاح فيها:

- كيف تخاطبين أختك هكذا وكيف تصفيني بالظالم؟

- نعم، أنت ظالم، وما رأيته عندها لدليل على ظلمك.

انهال عليها بسيل كلمات أعتى من اللكمات، وهوى على وجهها بصفعة مدوية، ثم بارح المكان تاركا شيئا واحدا: آثار أصابعه على وجهها الغض. استدار مغادرا وهو يلوك كلمات أشبه بنصول السكاكين في حدتها. الأرض مادت بها، وسقوطها بات وشيكا.

سلمى شقيقتها التي تكبرها ببضع سنوات كمنت خلف الباب الموارب تسترق السمع لزئير أبيها الذي يقابله نحيب شقيقتها. يبدو أنها وقعت في الشرك المعروف: بكت لبكائها، وطوقتها بذراعيها لبعض الوقت بهينة ونشجت.

تمنت لمياء حينها لو أنها صماء ولم تسمع ما سمعت، لكنها تذكرت عبارة هيلين كلير: «الصمم ألعن شيء في هذا العالم، في الظلام لا ينقذك سوى سماع صوت مألوف يهدئك»، وهي حقا تعيش ظلاما دامسا لا يفتته سوى ألسنة الفواحات التي تضمخ حجرتها بروائح الطيب، أو أصوات التراتيل والابتهالات التي ترتفع للسماء بصوت والدتها أثناء تبتلها، فتمنحها أملا وارفا.

طبع الموقف في ذاكرتها وأمسى زائرا دائما في منامها ويقظتها، فقررت الفرار منه ويممت وجهها شطر البحر المباين لبيتهم. تناهى إليها صوت البحر قبل بلوغه، انبرت ساهمة شاردة الذهن ترمق الأمواج تتهشم على الشط، كانت روحا هائمة تحملها أمواج البحر الغاضبة إلى أقصاه ثم تعيدها، تتأمل أضواء بقية النهار وهي تهبط وتذوب في البحر، كان الصمت مطبقا، ولم يعد يملأ هذا الصمت إلا صوت تلاطم الأمواج.

بعد أن أسرفت في الوقوف، استدارت متأهبة للعودة وقد أهداها البحر قناعة جديدة.

«يتبع»

@raedaalbaghli