هناء مكي

الابتكار صناعة إبداعية، هي وحدها من أسهمت في التطور السريع الذي نحن فيه، جل الابتكارات المتقدمة كانت فكرة لحاجة بين ملحة وبين ملهمة استطاع صاحبها أن يحولها إلى صناعة ومنتج وخدمة بعضها بات من أساسيات الحياة.

ولكن ابتكارات عصر الكورونا بحد ذاتها ابتكارات نوعية، أخشى أن تؤسس لمرحلة انتقالية مغايرة عن مراحل الصناعات وثوراتها التي شهدها التاريخ، وذلك لأسباب عدة، أهمها: أنها ستكون بديلا عن التواصل الطبيعي، فالهوس في اختراعات لمنتجات تساعد على الاحترازيات وتسهيل الحركة كان حافزا نشطا لأن تسارع العديد من المصانع لتلقف الفكرة وإعادة نسخها، يمكنك من خلال زيارة واحدة لكبريات المتاجر أن تكتشف بين وقت وآخر أن هناك منتجا مبتكرا يتم عرضه لتسهيل الحركة والتباعد والاحترازيات، الأمر لا يحتاج إلا أن تتمنى فكرة وستجدها تحولت سريعا لمنتج يطرح في الأسواق.

كما تبنت الكثير من الشركات والمصانع مبادرات لتحفيز وتشجيع الأفراد على الابتكار في ظل جائحة الكورونا وعاقبة الحظر التي عملت بها غالبية الدول للحد من انتشار الوباء، هذه المسابقات والمبادرات ساهمت في تدفق الكثير من الأفكار النوعية والابتكارية التي ننعم اليوم بها سواء كخدمة أو منتج.

الكثير من التجار وأصحاب المشاريع سارعوا إلى تبني أفكار تخدم منتجاتهم ومشروعهم حتى لا تتوالى عليهم الخسائر، الكثير من التجار فضّلوا الابتكار على الخسارة والتوقف، فما الذي يمنع أصحاب المشاريع عن الاستعانة بفنون الابتكار لخدمة مشاريعهم من جهة ولرفع مستوى التنافسية من جهة أخرى، فكل ابتكار لا يكون شخصيا ولا يعود حكرا اليوم، حتى المنتجات التي تحمل اسماء مبتكريها، والسلع التي تحمل توقيع مصنعيها، هي اليوم تحت آلة النسخ واللصق والتكرار، وهي سمة العصر الكبيرة. فاللصق والتكرار ليس فقط في استنساخ الأفكار وتصنيع المنتجات، بل هو أيضا في اقتناء الناس لها، وسرعة انتشارها بينهم.

يذكر التاريخ لنا أن أهم الابتكارات قد ولدت من رحم الأزمات والحروب والكوارث وانتشار الأوبئة، في ظل ظروف صعبة وملحة، ولكن نحن على الأرجح في عصر الابتكارات، فالابتكارات حتى ما قبل كورونا كانت متوالية بسبب تطور العلم والتقنية والرغبة في الكسب وتحقيق العوائد المالية، ولكن الحق يقال إن أزمة جائحة الكورونا ساهمت كثيرا في رفع قيمة الابتكار كصناعة، وسرعة انتشاره في الوقت ذاته، وأكثر الابتكارات رواجا هي المنتجات الطبية، حتى صارت هذه المنتجات متداولة بين العامة بعد أن كان مقتصر تداولها في المستشفيات فقط. والخدمات المصرفية وخدمات الاتصالات والتقنية، فأغلب الابتكارات اليوم تنصب على التعامل عن بعد، بابتكار أفضل الأجهزة التي تقدم هذه الخدمة، ليس الأمر مقتصر على العمل والتعليم فقط، فحتى التشخيص وزيارة العيادات ومقابلة الطبيب صار عن بعد، وبإمكان إجراء التحاليل وفحص المختبرات بسرعة فائقة، فمن كان يتوقع أن يتوفر في الصيدليات اليوم جهاز اختبار الكورونا وبهذه السرعة؟

خلال فترة كورونا غالبية بلدان العالم كان لديها العديد من الابتكارات لأفكار أشخاص حولوها إلى منتج، تحمل الفكرة منتج ذكاء صناعي هاما، حتى وإن بدا صعب تبنيه، أو لم يحصل على براءة اختراع، فلا بد لنا من الإشادة بمثل هذه الاختراعات التي جعلت حياتنا أسهل في التكيف مع الوضع الجديد.

الابتكارات اليوم باتت استثمارا وصناعة لها أولوية بالذات في الدول الصناعية، فاستنهاض الصناعة لا يتم إلا بفن الابتكار والاستثمار فيه يعتبر أمرا في غالية الأهمية، وهو يضمن الاستمرارية في سوق سريعة التقلب. إلا أنه وعلى الرغم من كل تلك الأفكار والابتكارات والاختراعات التي تخدم البشرية أو تسهل الحياة، لدي توجس لا أعرف إن كانت هذه نعمة أو نقمة، إذ إن ضريبتها باهظة في صنع تفكك أوصال العلاقات البشرية. وقد تقضي أيضا على الأسواق والمنتجات التقليدية، جل ما أخشى أن نحتاج لابتكارات تعود بالبشرية إلى ممارسة طبيعتها الفسيولوجية الإنسانية.

hana_maki00 @