مشعل أبا الودع

تراقب حيثيات القصة... تلاحظ كل ما يمر أمام عينيك... نظرتك ثاقبة اتجاه كل شيء... حساسيتك اتجاه التفاصيل مفرطة نوعا ما، وبحدسك المتنبه على الدوام تلاحظ كل صغيرة وكبيرة تمر على حواسك الخمس.

لا طالما حذروك من موهبتك هذه، المقرونة بك منذ ولادتك... ورغم محاولاتك المتتالية لم تسطع التخلص من مراقبتك للتفاصيل التي تجعل آلتك الدماغية في عمل مستمر ودائم.

لا شك أن الحكاية ليست وليدة صدفة أو مهارة اخترتها وطورت من قدرتها، بل ذلك يعود لتركيبة شخصيتك بالأساس، التي جعلت منك في الغالب شخصا انطوائيا، ينزوي في مقعده الخلفي ويراقب كل ما يدور من حوله. ولعل هذا الجانب من الشخصية هو الذي فتح لك المجال في أن تصبح أعقل متناقض وأحن قاس على نفسك وعلى الآخرين.

أن تكون انطوائيا معناه أنك لن تسكب رأيك كالشراب المالح على مسامع الناس، بل تحتاج أن تدرس القصة من كل جوانبها وأن تبحث عن أقرب رأي محايد بشكل لا يؤثر على موضوعيتك...وكثيرا ما تبدو متعجرفا ومتكبرا بالنسبة للعديد من الناس، عندما تبقى صامتا ومحتفظا برأيك الذي لم تخضعه بعد إلى التجارب السريرية داخل مختبرك... وربما يعتبرك آخرون صاحب شخصية معقدة أو إنسان يعاني من عقد نفسية، بمجرد أنك انسحبت قبل أن تغادر العامة ذلك التجمع الذي ذهبت إليه إجباريا من الأساس. لأنك لا تحبذ الهرج والمرج والأخذ والعطاء في جميع المواضيع مع جميع الفئات من الناس.

وبعد، صحيح أن الدخول في غمار التفاصيل أمر متعب وشاق، لكنه يعطي للإنسان نظرة تميزه عن غيره من الناس، وغالبا ما يصبح هذا الأخير صاحب الشورى والاستشارة، لأن انتباهه للتفاصيل يعطيه مصداقية أكبر، وسعيه للموضوعية والحياد يجعل منه مستشارا جيدا، وذلك بفضل رؤيته الواسعة اتجاه الأمور ودراسته لها من نواحٍ مختلفة ومتعددة.

بين الغوص في أعماق النفس واليقظة المستمرة، يتأرجح الشخص الانطوائي بين حساسيته المفرطة ونظرة الآخرين... فإذا نطق اعتبروه فيلسوفا قادما من التاريخ الإغريقي أو خبيرا يفهم في كل شيء، وإذا احتفظ بكلامه لنفسه اعتبروه متكبرا أو غريبا ذا شخصية معقدة... وفي الحقيقة ما هو إلا إنسان منغمس في التفاصيل ويدفع في كل ثانية ضريبة ما تلتقطه حواسه.

alharby0111@