عبدالله الغنام

لقد مر علينا حين من الدهر ونحن نعاني ونكافح ونتقي شر فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19). واليوم مضت قرابة سنة على أول ظهور له في الصين. ومنذ ذلك الحين والمملكة العربية السعودية تبذل وتعمل بكل الإجراءات الوقائية والطبية الممكنة من أجل المحافظة على صحة المواطنين والمقيمين، ومن أجل الخروج من هذه الجائحة بأقل الخسائر البشرية الممكنة، وبأقل الأضرار الاقتصادية والاجتماعية.

ولله الحمد فقد سطرت المملكة أروع الأمثلة في التعامل مع هذه الجائحة، ومازالت تستخدم أفضل السبل والوسائل للوقاية منها، ويشهد لها القاصي والداني أنها حققت بالأرقام والشواهد أعلى وأفضل المستويات في المحافظة على صحة وحياة المجتمع باستخدام الوسائل العلمية والعملية الممكنة والمعروفة عالميا. والأخذ بالأسباب المنطقية والواقعية يذكرنا بقصة وقع الوباء (طاعون عمواس) بالشام في زمن عمر الفاروق -رضي الله عنه- حيث امتنع هو وأصحابه عن الدخول إلى الأرض، التي وقع فيها الوباء، وأما الذين هم فيها فلم يخرجوا منها (حظر خروج أو سفر). وحين عاتبه أبوعبيدة بن أبي الجراح -رضي الله عنه- قائلا: أفراراً من قدر اللَّه! فقال عمر -رضي الله عنه-: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم، نفر من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه.

ونحن نعلم اليوم أن بعضا من الدول في العالم تعيش وتعاني موجة ثانية من هذه الجائحة، والبعض يرى أنها ستكون أقوى وأشد. ومن هنا قامت المملكة ممثلة في وزارة الصحة بالتذكير بالإجراءات الاحترازية، التي شددت عليها كثيرا ومرارا وتكرارا، ولكن البعض للأسف ما زال يتراخى في هذه الإجراءات!! وهذا يذكرنا بحديث الذين أرادوا خرق السفينة، حيث جاء فيه: (فإنْ ترَكُوهم وما أرادوا هلَكُوا جميعًا، وإنْ أخَذُوا على أيدِيهم نجَوْا ونجَوْا جميعًا).

وحتى لا تغرق السفينة، وندخل في موجة ثانية أعنف وأشد، علينا جميعا أن نقوم بالتدابير والإجراءات الصحية، التي تشير بها الجهات الرسمية، وأن نتبعها بحذافيرها. والمسألة ليست اختيارية، بل هي إلزامية، وهي واجب علينا دينيا ووطنيا وصحيا ومنطقيا وعلميا. إن الالتزام بصرامة بتلك الإجراءات هو من أجل حفظ الأنفس والأموال، التي هي من ضمن حفظ الضروريات الخمس في الدين (النفس، المال، العرض، الدين، العقل)، وهي من مقاصد الشريعة الإسلامية.

إنه من الواجب علينا تذكير بعضنا البعض في البيت والعمل والشارع والأماكن العامة والمولات والأسواق، فذكرى تنفع المؤمنين. وهو أمر واجب ومهم كمسؤولية مجتمعية على الكل بلا استثناء. لأننا إذا لم نقم بذلك فسوف -لا قدر الله- تزداد الحالات وربما الوفيات فيمن نحب من أسرنا وأقاربنا، وهذا ما لا يتمناه أحد منا، ولا أن يكون سببا فيه. بالإضافة إلى أنه إذا لم تتحسن الأوضاع، فلا شك ستكون هناك إجراءات أكثر صرامة وشدة من أجل سلامة المجتمع، ومن المؤكد أننا لا نريد أن نصل إلى تلك المرحلة.

والأمر الآخر أن المملكة والمجتمع قد أبلى بلاء حسنا في الموجة الأولى، وضربنا مثلا رائعا، وصورة مشرّفة لدول العالم في حسن التعاون فيما بيننا، فلماذا نريد الآن أن نخسر كل ما بذلناه بسبب قلة غير متعاونة ومتهاونة!

نحن كلنا في مركب واحد، ومجتمع واحد، ووطن واحد، فلا بد أن نواصل التعاون والتكاتف بالتقيد التام بالإجراءات الصحية، التي تذكّرنا بها دوما وزارة الصحة، وغيرها من القطاعات الرسمية، التي فيها مصلحة الوطن والمجتمع، وحمايته من هذه الجائحة، التي اكتسحت العالم أجمع بلا هوادة ولا رأفة.

لقد وفقنا الله وحمانا في الموجة الأولى (الشوط الأول)، فعلينا منذ البدايات بذل الأسباب مرة أخرى وبجدية وفعالية في مواجهة الموجة الثانية؛ لنتفادى بإذن الله انتشارها السريع وخطرها الداهم.

abdullaghannam@