خالد موظف جديد في مؤسسة ما، لم يكن في القسم الذي تعين فيه سوى شخص واحد، والمصادفة غير السعيدة أن ذلك الموظف كان يوضب حقائبه ليغادر بعد ثلاثة أسابيع بسبب التقاعد. كان خالد في صراع مع الزمن يحاول جاهدا التعلم من زميله قبل رحيله، ولكن المدة كانت قصيرة جدا لاستيعاب جميع المهام وآليات العمل. دقت ساعة الصفر، وأصبح خالد على المحك مع نفسه أمام طريق وعرة لتولي مهام القسم التي لم يكن على إتقان تام لها. بدأت الفجوة تتسع تباعا بين خالد ومديره نظرا لنقص المعرفة مما أثر على نتائج ومخرجات الأداء لديه رغم اجتهاده، فغضب عليه المدير ذات يوم وقال «آه... ليت أبو محمد ما تقاعد».
هذه القصة تمثل حادثة متكررة نشهدها في العديد من المنظمات، فمن يقف خلفها ويتسبب فيها لكي نشير بأصابع الاتهام عليه! هل هو الموظف؟ أم هو المدير؟ أم هي المنشأة التي لم تضع هذه اللحظة محتملة الحدوث وهذا الموقف ضمن دائرة التخطيط ليتم بناء نظام مؤسسي يكفل التعامل السلس معها؟
تفقد المنشآت سنويا في القطاعات المختلفة مئات الآلاف من الموظفين لأسباب عديدة منها التقاعد المبكر والنظامي، وكذلك التنقل بين الفرص المتاحة في السوق، والتوطين، وأسباب أخرى تصب في إحدى المشكلات المتنامية وهي التسرب الوظيفي. فقد أوضحت المؤسسة العامة للتقاعد على سبيل المثال في تقريرها السنوي أن إجمالي المتقاعدين بلغ بنهاية عام 2019 ما يفوق 945 ألف موظف، وهذا الرقم وحده يمثل رصيدا معرفيا هائلا غادر من محافظ الاستثمار المتعددة، فهل بقي من هذه الثروة شيء في ذاكرة المنظمة؟ أم أنها بكاملها قد رحلت مع من رحلوا؟
يعد امتلاك المعرفة وتنميتها ركيزة مهمة وصمام أمان في هذه الحقبة التي تتسم بالتنافسية الحادة والسباق المضني لصعود أعلى سلم الترتيب، فهي تمثل أحد أصول المؤسسات التي تتطلب رعايتها والمحافظة عليها والاهتمام بها فيما يعرف بإدارة المعرفة. وما أتحدث عنه تحديدا وتركيزا هو المعرفة «الضمنية» غير الصريحة التي نمت وشكلت الخبرة التراكمية لدى بعض الموظفين، والتي أسهمت عبر تملكها لمفاتيح وأدوات وأسرار النجاح ولسنوات عديدة في استقرار المنشأة وبلوغ أهدافها. إذ لا بد من وضع الأنظمة والإجراءات الكفيلة بنقل هذه المعارف والمعلومات من مخازنها المغلقة في عقول هؤلاء الموظفين إلى مكتبة المؤسسة المفتوحة والتي تتيح تلك المعارف وتضخها وتضمن تدفقها بمرونة في أوعية مستويات الهيكل التنظيمي المختلفة بما يدعم مأسسة العمل واستدامته. حيث يمكن أن يتم ذلك عبر سبل عديدة كالتوثيق في الأدلة الرسمية والتدريب والمنتديات والتقنية والكوتشينق وغير ذلك. وكما نعلم يقينا أن المملكة لا تفاخر بطول البنيان بل بصناعة الإنسان، لذا فإن مؤسساتنا الوطنية حاضنة لنخبة من الكوادر والمواهب ذات الكفاءة العالية والتجربة العميقة الذين استثمرت فيهم الدولة، وبات من الضرورة الملحة المضي قدما في تحويل رأس المال البشري إلى رأس مال فكري، والمحافظة على المكتسبات المعرفية لدى هؤلاء الأفراد ومشاركتها ونقلها إلى الذاكرة المؤسسية لتبقى جزءا من جسدها بما يضمن ثبات المؤسسة، واتزانها في رحلتها نحو تحقيق الطموح الوطني، والتي يجب ألا تقف عجلتها يوما ما عند مغادرة أحد منسوبيها لتعود وتقول... «ليت أبو محمد ما تقاعد».
@azizmahb
هذه القصة تمثل حادثة متكررة نشهدها في العديد من المنظمات، فمن يقف خلفها ويتسبب فيها لكي نشير بأصابع الاتهام عليه! هل هو الموظف؟ أم هو المدير؟ أم هي المنشأة التي لم تضع هذه اللحظة محتملة الحدوث وهذا الموقف ضمن دائرة التخطيط ليتم بناء نظام مؤسسي يكفل التعامل السلس معها؟
تفقد المنشآت سنويا في القطاعات المختلفة مئات الآلاف من الموظفين لأسباب عديدة منها التقاعد المبكر والنظامي، وكذلك التنقل بين الفرص المتاحة في السوق، والتوطين، وأسباب أخرى تصب في إحدى المشكلات المتنامية وهي التسرب الوظيفي. فقد أوضحت المؤسسة العامة للتقاعد على سبيل المثال في تقريرها السنوي أن إجمالي المتقاعدين بلغ بنهاية عام 2019 ما يفوق 945 ألف موظف، وهذا الرقم وحده يمثل رصيدا معرفيا هائلا غادر من محافظ الاستثمار المتعددة، فهل بقي من هذه الثروة شيء في ذاكرة المنظمة؟ أم أنها بكاملها قد رحلت مع من رحلوا؟
يعد امتلاك المعرفة وتنميتها ركيزة مهمة وصمام أمان في هذه الحقبة التي تتسم بالتنافسية الحادة والسباق المضني لصعود أعلى سلم الترتيب، فهي تمثل أحد أصول المؤسسات التي تتطلب رعايتها والمحافظة عليها والاهتمام بها فيما يعرف بإدارة المعرفة. وما أتحدث عنه تحديدا وتركيزا هو المعرفة «الضمنية» غير الصريحة التي نمت وشكلت الخبرة التراكمية لدى بعض الموظفين، والتي أسهمت عبر تملكها لمفاتيح وأدوات وأسرار النجاح ولسنوات عديدة في استقرار المنشأة وبلوغ أهدافها. إذ لا بد من وضع الأنظمة والإجراءات الكفيلة بنقل هذه المعارف والمعلومات من مخازنها المغلقة في عقول هؤلاء الموظفين إلى مكتبة المؤسسة المفتوحة والتي تتيح تلك المعارف وتضخها وتضمن تدفقها بمرونة في أوعية مستويات الهيكل التنظيمي المختلفة بما يدعم مأسسة العمل واستدامته. حيث يمكن أن يتم ذلك عبر سبل عديدة كالتوثيق في الأدلة الرسمية والتدريب والمنتديات والتقنية والكوتشينق وغير ذلك. وكما نعلم يقينا أن المملكة لا تفاخر بطول البنيان بل بصناعة الإنسان، لذا فإن مؤسساتنا الوطنية حاضنة لنخبة من الكوادر والمواهب ذات الكفاءة العالية والتجربة العميقة الذين استثمرت فيهم الدولة، وبات من الضرورة الملحة المضي قدما في تحويل رأس المال البشري إلى رأس مال فكري، والمحافظة على المكتسبات المعرفية لدى هؤلاء الأفراد ومشاركتها ونقلها إلى الذاكرة المؤسسية لتبقى جزءا من جسدها بما يضمن ثبات المؤسسة، واتزانها في رحلتها نحو تحقيق الطموح الوطني، والتي يجب ألا تقف عجلتها يوما ما عند مغادرة أحد منسوبيها لتعود وتقول... «ليت أبو محمد ما تقاعد».
@azizmahb