غنية الغافري

غادرت أمي دون أن تعطينا فرصة للمراجعة.. غادرت ولم تكن التهيئة كافية لنسارع برد بعض جميلها.. لم تشخ أمي شيخوخة الموت.. بل تسارعت عليها الأعراض حتى أشاخ شبابها وحيويتها وما هي إلا بضعة أشهر كانت كفيلة بأن تهرمها وتقعدها، وتشل أطرافها ثم تذهب كأجمل روح افتقدناها.. وبرحيل أمي أصبحت أرى الأمهات كزجاجة عطر يجب ألا تكسر.. وكالترياق الذي يسكّن به المرض بل يزول، يترك موت الوالدين فراغا قاتلاً لا يملؤه أحد، ودموعا مخبأة لا تريد أن تعترف بالانكسار.. أخبرتكم عن تجربتي، التي لن يعيدها سرد محاسن أمي أو استحضار حسرات الفقد؛ لأن الذي ذهب لن يعود.. أريد أن أخبركم فقط بأن بين يديكم كائنا متفردا يحمل مشاعر لا يشاركه أحد من العالم تجاهك، فهو يستحق بروتوكولات حقيقية تليق بكبار الشخصيات، وأن تضعوه في المكان الذي يليق به.

الوالدان حين يكبران وقد أفنيا شبابهما في تربيتنا وحين نشعر بالاستقلال نبتعد! لكنهما يظلان تلك الأرواح الشفافة الرقيقة مهما كبرنا، ونظل في عينيهما أطفالاً لا نكبر!

وحين يصبحان وحيدين لا ينتظران منا قبلات آخر الأسبوع ثم نتوارى لحين قبلات الأسبوع الذي يليه!! فالقبلات ليست جرعات دوائية منتظمة يحتاجها الوالدان، بل هي حقن تخدير تثبت لهما وجودنا!

وأنا أتابع مشاهير السناب شات تلفتني إحداهن وطريقة تعاملها مع والدها هي لا تصوره لتشتهر، بل تصوره ليستفيد المتابعون من خبرته وتجاربه ولتقول للعالم والدي لم ينته بتقوس ظهره وسقوط أسنانه وتراجع طوله، بل هو المرجع وهو السيد.. هي تستشيره لا لتستأنس برأيه، بل لتطيعه! والدها يعمل طوال اليوم في تهذيب الأشجار وإصلاح أعطال البيت.. يتعاطى الأمثال والشعر وينتشي لها الجميع وهو يغضب ثم يهدأ في جو صحي لا يشعره سوى بأنه السيد والمستشار والخبير، الذي لم يتقاعد من منزله ولم يأت مسؤول بعده!

الوالدان يحتاجان إلى تفقد دائم وإن لم يطلبا ذلك.. يحتاجان لوقت حيوي وليس فضلة الأوقات، الوالدان لا يسعدهما غرفا فارهة مغلقة تؤهلهما للقبور وتقتلهما ببطء! بل يريدان حياة متجددة ومشاركة في أحداث البيت والأسرة وصنع القرار، لا يريدان بواباً أمام غرفهما ينتقي لهما زوارهما، بل يريدان كل مَنْ يسهم في تقليل ساعاتهما الطويلة، ويقتل معهما فراغهما الممل، يريدان مسؤوليات ممتعة جديدة تشعرهما بأهميتهما لا تركنهما على هامش الحياة، يريدان أحفادا يجددون معهما حياتهما لا يشعرونهما بالجحود!!

من المؤسف أن يتحول الوالدان لمكب مشاكل الأبناء والبنات، الذين يخبئون الجميل ويظهرون القبيح فلا يخبرون إلا بكل مصيبة نازلة وكل مشكلة عارضة على اعتبار أنهم مستشارون أسريون أو أطباء نفسيون ستؤخذ نصائحهم!! إنما هم قلوب ضعيفة يتألمون لمشاكلكم ويتجافى نومهم لخلافاتكم وتصطك أفئدتهم بأخباركم وتتورم أكبادهم لسفهكم! ثم يصابون بالأمراض العضوية والنفسية وما علموا لحسن ظنهم أن تظلمكم ما هو إلا تمويه وسد لباب العتب واللوم وحذف لهم من جدول الأعمال والالتزامات وليلتفتوا لحياتهم وترفيههم!

وما أجمل الأبناء الذين لا يتركون مجالا لوالديهم في تفقدهم لطول غيابهم ولا ينتظرون موعداً يتوافقون فيه مع إخوانهم ليسمروا معهم! ما أجمل الأبناء حين يخفون كل ما يضيق به صدر والديهم من أخبار وأحداث ويظهرون جميل ما عندهم.. ما أجملهم حين لا يتغامزون على زلات والديهم وسقطاتهم.. ما أجملهم حين يحثون أبناءهم لبرهم.. ما أجملهم حين يرافقونهم لزيارة أصدقائهم.. ما أجملهم حين يتزاحمون ويتنافسون لبرهم بنفس طيبة ليست مجبرة!

وإلى كل الفاقدين لوالديهم.. داوموا الدعوات لهم عسى الله أن يغفر تقصيرنا وتقصيركم.

@Ganniaghafri