د. عبدالوهاب القحطاني

توطين الوظائف من أولويات الحكومة لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة والرخاء للمواطنين في ظل رؤية 2030، لكن الواضح في السياسات المتبعة للتوطين تركيزها على الوظائف الدنيا مثل وظائف سوق الخضار ووظائف البيع بالتجزئة. لا بأس في ذلك، لكن لابد من توطين الوظائف العليا التي يسيطر عليها الوافدون الذين لا يرغبون في التوطين خوفاً على فقد وظائفهم، حيث يحاربون السعوديين ويصفونهم بالكسل وعدم الالتزام للعمل. الحقيقة أن بعض المديرين الوافدين يساهمون في توظيف السعوديين مقابل رواتب متدنية، ويتركون لهم فرصة التغيب وعدم الالتزام للعمل مقابل استخدام الهوية الوطنية في التوظيف، وذلك لإيهام الجهات المختصة بأنهم يوظفون المواطنين.

أرى أن التوطين النوعي الفعال يبدأ بالمناصب القيادية العليا في الشركات لما في ذلك من أهمية في توطين الوظائف المتوسطة والدنيا وبالتالي تتراجع نسبة البطالة بين المواطنين. لا بد من التوطين في القمة بالتوازي مع التوطين في الوظائف في المستويين المتوسط والأدنى في نفس الوقت.

وبخصوص الوظائف التي لا تكسب الموظف السعودي القيمة المضافة والمعرفة والمهارات العالية فيمكن تركها للوافدين مع حوكمة العمل فيها لمنع الاحتكار وتردي الجودة وغلاء الأسعار. ولقد مرت الولايات المتحدة الأمريكية بتجربة هيمنة الوافدين الأجانب من المكسيك ودول أمريكا اللاتينية وشرق آسيا والشرق الأوسط على وظائف متدنية تضيف قوة للاقتصاد الأمريكي من حيث تدني التكاليف بسبب الأجور المتدنية مقارنة بأجور الأمريكيين المرتفعة، لذلك تركت الحكومة الامريكية فئة المهاجرين الجدد يعملون تحت ضوابط تحمي الاقتصاد من الاحتكار.

وبالرغم من تأهيل معظم السعوديين الذين يبحثون عن عمل إلا أنهم يواجهون تياراً قوياً شعاره إشاعة أن السعودي لا يصلح للعمل وغير جاد. المقاومة الشرسة ضد توطين الوظائف واضحة في بعض الشركات، لكنها خفية وتآمرية في معظمها. وكنت أتمنى من القائمين على التوطين دعم ما يكتبه الاقتصاديون حولها والتواصل معهم لنقل الحقائق المزعجة عنها، حيث تصلني شكاوى كثيرة من المواطنين الذين يعملون في العديد من الشركات السعودية والأجنبية التي يديرها عدد كبير من الوافدين الذين يقاومون توطين الوظائف.

يجب أن نكون على درجة عالية من الشفافية لتخليص شركاتنا من الذين يقاومون توطين الوظائف، فهم يستغلون كافة السبل لمضايقة المواطنين الذين يعملون بها، والمخيب للآمال أن نسبة قليلة من السعوديين في المراكز القيادية العليا يتواطؤون معهم إما لحماية مصالحهم الشخصية أو لأنهم لا يرغبون أن يصبح المواطنون الأكفاء منافسين لهم.

ويجب أن لا نتوقع من القياديين الوافدين في الشركات السعودية والأجنبية أن يكونوا على مستوى عال من الولاء والتفاني للشركات السعودية أو للسعوديين الذين يبحثون عن عمل في تلك الشركات، فقد خرجت بحقائق عديدة من دراسة مقارنة الولاء الوظيفي والتنظيمي بين السعوديين وجنسيات وافدة، حيث تشير نتائج الدراسة الميدانية التي قمت بها إلى أن السعوديين أكثر ولاء من الوافدين، وأكثر استقرارا وظيفياً، وأكثر التزاماً، وأقل فساداً من غيرهم من الموظفين الوافدين.

الخلاصة أن توطين الوظائف في سوق الخضار والفواكه وفي المهن الأخرى التي لا تتطلب مهارات وقدرات عالية لا يكفي، إنما التوطين الفعال يبدأ في الوظائف العليا التي يحاول الوافدون الهيمنة عليها لأنفسهم وأبناء جنسياتهم، وبذلك يستبعدون السعوديين منها.

@dr_abdulwahhab