بديعة إبراهيم

البحث عن وجود الذات من أعسر الأشياء التي قد ترافق المرء.. وبعد التأمل والتدقيق في تحركاته الشخصية يجد أنه لا ينتمي إلى ذاته بل لا فضل له على نفسه، سيجد أن الظرف والزمن هما من يتحكمان به، وهما من يحددان كيف يكون، سيجد أن العالم المحيط هو من شكل عقله ولغته وسلوكه.

دائمًا نعيش في مكان دون وعي وحس بما يحيطنا ككأس الماء مثلًا طالما هو موجود على الطاولة فلن نشعر بوجوده أبدًا وبمجرد أن يسقط سيصنع لنا ظرفا آخر وحالة أخرى سيصنعنا في هذه اللحظة ويصنع شعورنا بالدهشة. فنحن مصنوعون من الظروف، الشمس ظرف للفلاح والموج هو ظرف للقبطان، فالحياة تسير بظروفها الخاصة شئت أم أبيت، أما العالم المحيط بنا من جميع الجوانب فهو من يرسل لنا سلوكياتنا في ظروف مغلقة.

لكن التنبه الذي يصيب المرء فجأة ويجعله يشعر أنه موجود وحاضر فعلًا، يعي من خلاله أنه وسط عالم واحد ومكان واحد ليس بيده تغييره، بيده فقط أن ينزلق (فكريًا تأمليًا) بوسائل يتلقفها مما يدور حوله كي يبحث عن الجوهر الحقيقي المكنون في داخله ويفتش في نفسه وفي أطباعه الخاصة وأن يكتشف كيف يكون وكيف لا يكون حتى وإن كانت هذه الحياة لا تعطيه الحرية الكاملة في اختيار الفرص سيحاول خلقها بنفسه.

بعد ذلك سيجد أنه يكمن في داخله شعور هائل بالمسؤولية تجاه الأشياء وشعور ضخم لم ينبته أحد سواه، سيجد أن العمل بهذه الطريقة ممتع، وهذا المشهد مدهش وأن الإنجاز ليس له قواعد محددة، سيجد أنه ممتن لحلقة المكان التي وضِع بها وممتن لنور الغرفة ولا ينتظر أن تنطفئ كي يشعر بها.

لا أحد منا يفضل أن يكون ظرفًا أو شيئا، ودائمًا ما نحاول أن نضع لأنفسنا موقفا أو موقفين نشعر بهما أننا نشع وضوحًا في هذا العالم، جميعًا نرغب أن نصبح مثل ما قال إيريك فروم «الشخص الذي لم يفقد إحساسه بالكرامة، لم يتم بيعه بعد، الشخص الذي بقي شخصًا ولم يصبح شيئًا» وأرى أنه لن يحدث ذلك إلا بعد البحث عن ذواتنا.

@baoqqq