شكا الصحابة -رضي الله عنهم- حالهم إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: (أَلا تَسْتَنْصرُ لَنَا أَلا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: قَد كَانَ مَنْ قَبْلكُمْ يؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ لَهُ في الأَرْضِ فيجْعلُ فِيهَا، ثمَّ يُؤْتِى بالْمِنْشارِ فَيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجعلُ نصْفَيْن، ويُمْشطُ بِأَمْشاطِ الْحديدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذلكَ عَنْ دِينِهِ، واللَّه ليتِمنَّ اللَّهُ هَذا الأَمْر حتَّى يسِير الرَّاكِبُ مِنْ صنْعاءَ إِلَى حَضْرمْوتَ لاَ يخافُ إِلاَّ اللهَ والذِّئْبَ عَلَى غنَمِهِ، ولكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) رواه البخاري. وننظر هنا كيف صرف النبي -صلى الله عليه وسلم- أنظار أصحابه لحال من سبقوهم وابتلوا بأشد مما وجدوا لكنهم صبروا، فمقارنة الحالين تدفع بالأخف أن يحمد الله على أن خفف عنه، ثم إذا كان الأشد قد صبر واحتسب فالأخف من باب أولى، وفي المقارنات يتجلى الكثير من النعم، ولذلك يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ هو أَسفَل مِنْكُمْ وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوقَكُم؛ فهُوَ أَجْدَرُ أَن لا تَزْدَرُوا نعمةَ اللَّه عَلَيْكُمْ) متفقٌ عليه، ومن هذا المبدأ العظيم لننظر لحالنا وحال سوانا، فلو مررنا على حال العالم على عجالة لحمدنا الله ليل نهار على ما نحن فيه من نعم جالبة للسعادة مهما ضاق الحال مؤقتاً، فرئيس دولة يطلب من مواطنيه توديع أحبابهم، وآخر استخف بالأمر فضربت الكارثة أطنابها في بلادهم، ودول وقعت ضحية شح في الأغذية والأدوية والأجهزة الطبية، وفي المقابل لدينا بفضل الله الصورة مشرقة مشرفة، والنعمة مشكورة فينا، فملك حازم يأمر بحنكة وولي عهد أمين يتابع بعزم، -حفظهما الله وأيدهما بتوفيقه- حتى رأينا التعاون بين الوزارت متيناً معززا، والمجتمع متجاوب بكل اقتدار، ولسان حالنا أن نقول: الحمد لله الذي عافنا وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً، لم نشكُ نقصاً في دين ولا دنيا، أذاننا مرفوع، وقرآننا متلو، وراتب معاشنا مدفوع، وشأننا في علو. لا نشكو نقصاً لا في تدفق الكهرباء ولا الماء ولا الاتصال والإنترنت ولا الغذاء ولا الدواء، وتقر أعيننا وتهنأ نفوسنا بتعاطي أبنائنا مع التقنيات المسخرة لطلب العلم، وبما يزف إلينا من أنباء حفاظ كتاب الله وبما هيأت الأسر برامجها لأداء الصلاة جماعة كل في بيته وانشغال أفرادها في برامج تفيدهم، وبما نعلمه من قوافل المتعافين بعد استضافتهم في دور الضيافة ذات العشرة نجوم. نعم إذن إننا سعداء بولاتنا وعلمائنا، بمسؤولينا ودعاتنا، ورجال أعمالنا، سعداء بتواجد وزاراتنا جميعها على خطوط المواجهة الأولى بجهود متكاملة متميزة، سعداء بتعاوننا على البر والتقوى وبفضل الله علينا وهو القائل سبحانه (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) فنسأله تعالى أن يديم علينا النعم ويرزقنا شكرها، وأن يكشف عنا السوء ويرزقنا الاحتساب والصبر ويحفظ لنا ديننا ودنيانا وولاتنا ومجتمعنا بخير وسلامة وعافية ومعافاة.