مر التعليم بالعديد من التحولات في الأنظمة والخطط والمناهج، وعن الكثير من المنعطفات جرف قاربه بقدر ما استطاع، الكتاب المدرسي هو الآخر تحول من رمادي الصفحات لطبعات ملونة، فمدعومة بالصور، وواصل التحول لمحدد بالأنشطة، ثم في مرحلة دمجت بعض المقررات، واستحدث الجديد منها، وتشكلت هذه الأجيال بين صعود ونزول حسب مؤشر التغيرات، لكن غرف المعلمات بقيت حيث كانت، وظلت لا تمس بالقرارات، أو قد تلمس بشيء يتوقف حسب قوة المجابهة من الأطراف فلا ينفذ، لا يشملها المنظار الذي يدور حول الطالب والمنهج، أو المنهج والطالب، لم يتغير الفكر الذي تتوارثه معلمة عن معلمة في التعامل داخل هذه الغرف، غريب أمر الحجرة التي لا تؤلف القلوب رغم سنوات العشرة، وإذا بغرفة المعلمات أيها السادة والسيدات هي المطبخ الرئيسي للمنهج قبل شرحه وتفنيده، كنا صغارا نسرق النظر لمناخها وأجوائها، كانت بمثابة اللغز الذي يشدنا الفضول لفك شفراته، في طفولتي رأيت تهامز المعلمات وتلامزهن، شاهدت بينهن الحرب الصامتة بالإشارات والحرب الإسقاطية بالألقاب، لم يكن يصعب علي ربط الإشارة ودلالاتها على هذه وتلك، وكم أصابتني خيبة الأمل في منابر كنت أراها القدوة، صورة تتكسر بداخلي حين تسترجع ذاكرتي الموقف وأنا أكتب الحل لواجبها المدرسي الذي كان نصه يقول: تكلمي باختصار عن الغيبة وأوردي الأدلة والشواهد؟
هل تكون إجابتي بأن الغيبة هو تصرفك يوم أمس والشاهد أنا، وكم أخذتني الأفكار في جولة أثناء الحصة التي لم أسمع فيها حرفا يعلو على حروف صوتها وهي تسدد الكلمات قبل درسها على معلمتي الأخرى، أو معلمة وبختنا مهددة بإدارة المدرسة للفظ تطاولنا به على تلميذة بيننا، وهو الذي كنا جميعا سمعناه منها في غرفتها قبل أن يبدأ الدرس المزيف، بداخلي الخواطر تسخر قائلة: هل تصدقين قدوتك حتى الآن! ويقيني يجزم أنها ستعود بعد الدرس لغرفة تتراشق فيها الكلمات والألفاظ الشنيعة، فيتسع الغضب حين أرى من تنساق في مشهد يجمعها بمن سقطت من عيني خوفا من فقدي لها أيضا، وأحزن لشعور يجعلني بين حلقتين كلتيهما تدفعني بقوة، هل أصدق معلمة الفصل أم معلمة الغرفة؟
ليس أقسى على التلميذ من انكشاف منهجه الحقيقي المتحرك يتساقط أمامه، وليس بوسعه أن يجمعه، أو أن يضع الأقواس التي تنسيه فاصلة المشهد، البيئة لا تناسب أفكارا تحملها غرفة ضيقة أو عشرة مثلها تجتمع فيها مجموعة لتتشكل كالحزب على أخرى دون أن تطور من فكرها وتمارس عملها وتقف على حدود مسؤولياتها، إني كبرت وأنا أكره هذه الغرف لما تحمله من صور أسقطت من صدري القدوات، وأفقدتني الثقة بالدرس والمنهج.
مرت سنوات وأنا أسمع وأرى حالات المعلمات داخل هذه الغرف، ثم عدت يوما لعالم المدارس في ملتقى لن أذكر اسمه، كنت أمام مجموعة منهن، لا أعرف أسماء لهن ولم أحفظ.. جزء على يمين الطاولة العريضة، وآخر على يسارها، وأنا علي تقديم الكلمة التي لم تكتمل، بسبب تراشقهن أمامي بالألفاظ!
يا للعجب.. عشرون عاما مرت على ما كنت اعتقد أنه انتهى!
غرفة المعلمات تحتاج لصيانة علاجية عاجلة وسريعة.
@khalud25
هل تكون إجابتي بأن الغيبة هو تصرفك يوم أمس والشاهد أنا، وكم أخذتني الأفكار في جولة أثناء الحصة التي لم أسمع فيها حرفا يعلو على حروف صوتها وهي تسدد الكلمات قبل درسها على معلمتي الأخرى، أو معلمة وبختنا مهددة بإدارة المدرسة للفظ تطاولنا به على تلميذة بيننا، وهو الذي كنا جميعا سمعناه منها في غرفتها قبل أن يبدأ الدرس المزيف، بداخلي الخواطر تسخر قائلة: هل تصدقين قدوتك حتى الآن! ويقيني يجزم أنها ستعود بعد الدرس لغرفة تتراشق فيها الكلمات والألفاظ الشنيعة، فيتسع الغضب حين أرى من تنساق في مشهد يجمعها بمن سقطت من عيني خوفا من فقدي لها أيضا، وأحزن لشعور يجعلني بين حلقتين كلتيهما تدفعني بقوة، هل أصدق معلمة الفصل أم معلمة الغرفة؟
ليس أقسى على التلميذ من انكشاف منهجه الحقيقي المتحرك يتساقط أمامه، وليس بوسعه أن يجمعه، أو أن يضع الأقواس التي تنسيه فاصلة المشهد، البيئة لا تناسب أفكارا تحملها غرفة ضيقة أو عشرة مثلها تجتمع فيها مجموعة لتتشكل كالحزب على أخرى دون أن تطور من فكرها وتمارس عملها وتقف على حدود مسؤولياتها، إني كبرت وأنا أكره هذه الغرف لما تحمله من صور أسقطت من صدري القدوات، وأفقدتني الثقة بالدرس والمنهج.
مرت سنوات وأنا أسمع وأرى حالات المعلمات داخل هذه الغرف، ثم عدت يوما لعالم المدارس في ملتقى لن أذكر اسمه، كنت أمام مجموعة منهن، لا أعرف أسماء لهن ولم أحفظ.. جزء على يمين الطاولة العريضة، وآخر على يسارها، وأنا علي تقديم الكلمة التي لم تكتمل، بسبب تراشقهن أمامي بالألفاظ!
يا للعجب.. عشرون عاما مرت على ما كنت اعتقد أنه انتهى!
غرفة المعلمات تحتاج لصيانة علاجية عاجلة وسريعة.
@khalud25