سالم اليامي

أحدث البروتوكولات التي طبّقتها حكومة المملكة العربية السعودية في مواجهة الوباء كورونا، تطبيق منع التجوّل الجزئي، أي منع الحركة العامة للمواطنين في وقت محدد، ومعلوم تعرف بدايته ونهايته، منع التجول بدأ بتاريخ الثامن والعشرين لشهر رجب 1441م ولمدة 21 يومًا في وقتٍ محدد. أي أنه يتعيّن على المواطنين والمقيمين أن يلزم كل منهم بيته، ومقر سكنه كل مساء؛ ليستمر في ذلك حتى صباح اليوم التالي، حيث تُتاح له الحركة، وقضاء شؤونه الضرورية حتى وقت محدد، وبعدها يلزم داره، وهكذا.

المملكة استعملت هذا البرتوكول كمرحلةٍ من الصراع مع كورونا، وكلّفت رجال الأمن بالنزول إلى الشوارع، والميادين والساحات في المدن والقرى والبوادي؛ للحفاظ على الأمن العام، وصيانة الممتلكات الخاصة، والعامة. ولتطبيق منع التجوال، ومخالفة مخترقيه.

أصدق الأمنيات أن يكون هذا البروتوكول منعطفًا مهمًا لنجاح المملكة في مكافحة الوباء، والتقليل من آثاره. والجزء الأكبر من نجاح هذا الأسلوب سيعكسه مدى التزام الناس بتطبيقه. وبجولةٍ سريعةٍ مع وسائل إعلام محلية لمتابعة تطبيق الحظر، يلمس المراقب وعيًا عاليًا من الناس، وإن كانت هناك اختراقات للحظر فقليلة، ومحدودة ويتعامل معها رجال الأمن بحزم وصرامة، من حيث تطبيق القانون، ومخالفة مَن يخترق منع التجوال.

منع التجول أو التجوال كإجراء قديم ومستخدم في مناسبات كثيرة في تاريخ البشرية، وتنقل الروايات عن أول استخدام لهذا البروتوكول في التاريخ الإسلامي أنه طبّق في فترة الدولة الأموية، حيث طبّقه في البصرة والي العراق حينها القائد الداهية زياد بن أبيه، والمعيّن واليًا للعراق من قِبَل معاوية ابن أبي سفيان، ويُقال إن زياد جمع الناس في المسجد، وأخبرهم بالحظر الجزئي لحركتهم، وأن مَن خالف تلك الأوامر مصيره القتل، وكان إبلاغ الناس عبر الخطبة الشهيرة ليزيد المعروفة بالبتراء أي التي لم يبدأها بذكر الله كالمعتاد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، كما جرت العادة في الخطب المشابهة.

ويُقال إن رجال الأمن استوقفوا ثلاثة أشخاص خرقوا منع التجوال، وهم مزارعان عائدان إلى البصرة من البساتين خارجها، وبدوي كان يجري في بعض طرقات المدينة يلحق بشاة له هاربة، قال يزيد للثلاثة أصدقكم فيما تقولون، ولكن يجب أن يُطبّق فيكم العقاب، وأمر بقطع رؤوس الثلاثة، وتنقل الروايات أن سبب اللجوء لمنع التجوال في العراق كان لتأمين الاستقرار في أرض مضطربة على الدوام، وهو ما كان في النهاية.

من المصادفات أن المصادر تنقل عن وفاة زياد ابن أبيه بأنه مات بوباء الطاعون، الذي حلّ بإحدى يديه، ولم يجد للعلاج سبيلًا، فمات من ذلك الوباء.

في تجربتي الشخصية، عشتُ إجراء منع للتجوّل في دولة تونس الشقيقة، مطلع العام 2011م، عند قيام ثورة 14 يناير، حيث سيطر الجيش على الأوضاع، بعد حدوث فراغ في السلطة، بمغادرة الرئيس بن علي أرض تونس، وخلال ملء الفراغ دستوريًا، فرض الجيش حالة منع التجول أو الكوفغو فيه كما تُقال بالفرنسية، وهي مأخوذة من الكتابة الإنجليزية curfew وقريبة إلى حدٍّ ما في النطق منها.

بداية منع التجول كانت لساعات طويلة، رغم أنه منع جزئي، وكان عدد الساعات التي يمكن للناس فيها الحركة محدودًا، ولا يتجاوز 4 ساعات يوميًا، يبدأ عند منتصف النهار، وينتهي قبل الغروب بقليل، ومع الوقت أصبح هناك تمديد لساعات الحركة حتى تمّ إلغاء المنع فيما يقرب من شهرين اثنين.

في الساعات التي كان مسموحًا للناس فيها بالحركة، كان الكل يجري مسرعًا لتأمين الاحتياجات الضرورية، وكانت تجربة قاسية في أيامها الأولى، حيث يُقبل الناس على شراء كل شيء حتى أفرغت مخازن السلع الغذائية بشكل كامل، الحال مع كورونا يختلف إلى حدٍّ ما، ولكن في النهاية كلها أساليب لدرء الخطر عن الناس.

salemalyami@