من المؤكد أن كثيرا منكم قد سئم من كثرة المواد الصحفية والعلمية والنقاشات التي تدور حول موضوع الكورونا المستجد، وما يتعلق من الأحاديث بالأوبئة والعدوى والأمراض والحماية والحضانة والتطهير والتعقيم ولزوم المنزل. فحديثنا اليوم عن موضوع فلسفي ومستقبلي يخص تطورات الحياة على الكرة الأرضية، وربما يأتي أحد ليقول: كأنك تردنا إلى ما يدور في مخيلة بعض المتشائمين، من أن البشرية ستنقرض، أو ستصبح كائنات أخرى بعد هذه الجائحة، إلى غير ذلك من الخيالات المجنحة.
لكن موضوعنا اليوم لا يرتبط بأي من ذلك، وإن كان يتعلق بالرؤى المستقبلية لتطور الحياة على الأرض. فقد كانت حقب التاريخ البشري تتعدد أشكال حياة الإنسان فيها على الأرض، وتتفاوت فيها علاقته بالموارد المختلفة في هذا الكوكب وقدرته على الاستفادة منها، كما تتباين بالطبع أيضا قدراته الذهنية، التي تطورت عبر الأزمنة المختلفة، ومن خلال اشتغاله التراكمي على تدريبها، ثم انتقال تلك التطورات إلى جيناته المتلاحقة. فقد بدأ الإنسان جامعا، يعيش على ما يستطيع جمعه من ثمار تتساقط من الأشجار من حوله، ثم أصبح صيادا، يقتات على ما يمكنه صيده من الحيوانات أو الطيور أو الأسماك في بيئته القريبة. بعد ذلك ترقى إلى مرحلة الفلاحة واستصلاح الزرع الذي يكفيه طوال العام، ليعيش من عمل يومي ومتابعة، بدلا من العيش على الصدف، والتنافس مع الآخرين على ذلك الطعام (من الجمع أو الصيد). ومع تطور قدراته الذهنية استطاع الإنسان أن يصنع أدوات أكثر تقدما، ويطوع كثيرا من عناصر البيئة لصالحه، لكنها بالطبع عملية مزدوجة الأثر، خاصة بعد أن تقدم كثيرا في الصناعة، وأصبح يسعى إلى إنتاج أكثر مما يحتاج، من أجل إشباع غريزة التملك، وصناعة رؤوس الأموال خلال الثورة الصناعية الكبرى. ومع كل هذه التغيرات ساير تطوره الفكري أيضا أوضاعه المتغيرة، فأصبحت هناك مراحل يعدها ضمن الحداثة، ويطلق على ما يسبقها ما قبل الحداثة، وما بعدها ما بعد الحداثة، في تحليل لاتجاهات فكر الإنسان مع تطورات أوضاعه التاريخية.
غير أن التغير الأكبر حدث في العقود الثلاثة الأخيرة، عندما نشأت ما يعرف بعلوم الدماغ منذ تسعينيات القرن الماضي، ثم الثورات الإلكترونية المتلاحقة، والتي نتج عنها تفكير جاد في إدماج التكنولوجيا مع الجسم البشري. وذلك يعني أننا في مرحلة مستقبلية ربما لن تكون بعيدة لن نصبح قادرين على تحديد ما إذا كان العقل البيولوجي، أم الشرائح الإلكترونية هي المتحكم في قرارات الإنسان. وبالأحرى قد يكون الأمر محيرا خلال تلك الحقبة، التي لن تكون بعيدة في ظل التطورات المتلاحقة، أن نفهم ماذا يعني مصطلح «إنسان»! وقد وصل الجدل خلال السنوات القليلة الماضية بين «النزعة الإنسانية التقليدية»، التي عرفها تاريخ الحضارة الغربية، وبين تيار «ما بعد الإنسانية» الجديد، ببعده الاجتماعي السياسي الراديكالي المهووس بالتكنولوجيا، إلى مجال السياسات العالمية. وتنتشر الأحزاب السياسية لتيار ما بعد الإنسانية من الولايات المتحدة إلى بقية أرجاء العالم، وترتبط تلك الأحزاب بعضها ببعض بصورة واسعة من خلال شبكة تسمى «الحزب العالمي لما بعد الإنسانية». وكان هدف تلك الأحزاب هو استخدام تقنيات الدمج بين الجسم والآلة «لتحسين» المهتمين بالإنسان العضوي الآلي الجديد «السيبورج» وفقا لوصف المؤتمر الثاني لمستقبل البشرية حتى العام 2045م.
@falehajmi
لكن موضوعنا اليوم لا يرتبط بأي من ذلك، وإن كان يتعلق بالرؤى المستقبلية لتطور الحياة على الأرض. فقد كانت حقب التاريخ البشري تتعدد أشكال حياة الإنسان فيها على الأرض، وتتفاوت فيها علاقته بالموارد المختلفة في هذا الكوكب وقدرته على الاستفادة منها، كما تتباين بالطبع أيضا قدراته الذهنية، التي تطورت عبر الأزمنة المختلفة، ومن خلال اشتغاله التراكمي على تدريبها، ثم انتقال تلك التطورات إلى جيناته المتلاحقة. فقد بدأ الإنسان جامعا، يعيش على ما يستطيع جمعه من ثمار تتساقط من الأشجار من حوله، ثم أصبح صيادا، يقتات على ما يمكنه صيده من الحيوانات أو الطيور أو الأسماك في بيئته القريبة. بعد ذلك ترقى إلى مرحلة الفلاحة واستصلاح الزرع الذي يكفيه طوال العام، ليعيش من عمل يومي ومتابعة، بدلا من العيش على الصدف، والتنافس مع الآخرين على ذلك الطعام (من الجمع أو الصيد). ومع تطور قدراته الذهنية استطاع الإنسان أن يصنع أدوات أكثر تقدما، ويطوع كثيرا من عناصر البيئة لصالحه، لكنها بالطبع عملية مزدوجة الأثر، خاصة بعد أن تقدم كثيرا في الصناعة، وأصبح يسعى إلى إنتاج أكثر مما يحتاج، من أجل إشباع غريزة التملك، وصناعة رؤوس الأموال خلال الثورة الصناعية الكبرى. ومع كل هذه التغيرات ساير تطوره الفكري أيضا أوضاعه المتغيرة، فأصبحت هناك مراحل يعدها ضمن الحداثة، ويطلق على ما يسبقها ما قبل الحداثة، وما بعدها ما بعد الحداثة، في تحليل لاتجاهات فكر الإنسان مع تطورات أوضاعه التاريخية.
غير أن التغير الأكبر حدث في العقود الثلاثة الأخيرة، عندما نشأت ما يعرف بعلوم الدماغ منذ تسعينيات القرن الماضي، ثم الثورات الإلكترونية المتلاحقة، والتي نتج عنها تفكير جاد في إدماج التكنولوجيا مع الجسم البشري. وذلك يعني أننا في مرحلة مستقبلية ربما لن تكون بعيدة لن نصبح قادرين على تحديد ما إذا كان العقل البيولوجي، أم الشرائح الإلكترونية هي المتحكم في قرارات الإنسان. وبالأحرى قد يكون الأمر محيرا خلال تلك الحقبة، التي لن تكون بعيدة في ظل التطورات المتلاحقة، أن نفهم ماذا يعني مصطلح «إنسان»! وقد وصل الجدل خلال السنوات القليلة الماضية بين «النزعة الإنسانية التقليدية»، التي عرفها تاريخ الحضارة الغربية، وبين تيار «ما بعد الإنسانية» الجديد، ببعده الاجتماعي السياسي الراديكالي المهووس بالتكنولوجيا، إلى مجال السياسات العالمية. وتنتشر الأحزاب السياسية لتيار ما بعد الإنسانية من الولايات المتحدة إلى بقية أرجاء العالم، وترتبط تلك الأحزاب بعضها ببعض بصورة واسعة من خلال شبكة تسمى «الحزب العالمي لما بعد الإنسانية». وكان هدف تلك الأحزاب هو استخدام تقنيات الدمج بين الجسم والآلة «لتحسين» المهتمين بالإنسان العضوي الآلي الجديد «السيبورج» وفقا لوصف المؤتمر الثاني لمستقبل البشرية حتى العام 2045م.
@falehajmi