د. فالح العجمي

ربما سمع بعضكم عن الوصف المجازي لمدينة نيويورك بأنها معدة الولايات المتحدة الأمريكية، وعن مدينة فرانكفورت أنها معدة ألمانيا. وعلى هذا القياس أستعير هذا المجاز من أجل وصف الصين بكونها معدة العالم، فهي البلد الوحيد في العالم الذي تصل بضائعه إلى جميع أقطار الدنيا دون استثناء. أما الوعكة التي أصيبت بها هذه المعدة، فهي مرض الكورونا الجديد (أو كوفيد 19، كما تسميه منظمة الصحة العالمية). فمنذ أواخر العام المنصرم، وخلال الشهرين اللذين مضيا من هذا العام، كان المحللون والإعلاميون والمختصون بالاقتصاد والسياسة والسياحة وشؤون الصحة في كل بلد، أو المنظمات المعنية بأمور الصحة والسفر، في حيص بيص. بل حتى أسباب نشأة المرض ذهبت فيها التخمينات والاستخلاصات في أكثر من مسبب أو بيئة نشأة لهذا الفيروس المفاجئ، فمن تقديرات بأنه من صنع الإنسان، وقد تسرب من مختبرات بيولوجية، ومن قائل بأنه نشأ عن بعض حيوانات محددة تحمل هذا الفيروس في الصين، وغير ذلك من التخرصات. فلماذا لم تكن الجهود والمعلومات والقرارات الدولية والتقديرات بشأن تطورات المرض في اتجاه واحد من أجل خدمة جموع البشر الذين يحتاجون إلى المعلومة الصحيحة والدقيقة؟

لكن هل توقفت الاختلافات في التحليل والتوضيح على قضية النشأة، وطبيعة هذا الفيروس، وإمكان انتشاره، ومدى صموده في وجه طرق المكافحة التي تبنتها المجتمعات الحديثة والمؤسسات الطبية والتوعوية؟ في الواقع أن تلك التنوعات والابتكارات لم تتوقف عند حد، فهناك من تنبأ بأن يحصد هذا الفيروس ما يقارب ثلث البشرية على وجه الأرض، وهناك من ربط القضية بغضب الرب، وكونه أرسل هذا المرض (الوباء)، بالرغم من أن منظمة الصحة العالمية لم تعلنه وباء عالميا، لأن البشر قد تمادوا في تجاوز ما وضعه لهم من حدود، وهناك أيضا من ربطه بطريقة الطبيعة في التخلص من العبء الكبير من أعداد البشر (وهذا النوع من التحليلات وجد ضالته في كون منطقة الانتشار الأولى في الصين، التي تتميز بأنها تحتوي قرابة ربع عدد سكان البشر).

ولنترك تلك الاختلافات والاجتهادات غير المبررة في التحليل، ونستعرض نقطة مهمة جدا تتعلق بمدى خطورة المرض في مرحلته الحالية. فالسائد في كثير من بلدان العالم الثالث، ومنطقتنا العربية ليست استثناء من تلك القاعدة، أن الإعلام لا يتثبت في نقل المعلومة، ويعتمد على الإثارة أكثر من التوعية المناسبة. والشيء نفسه حدث في قضية هذا الفيروس وانتشاره وآثاره، فبالرغم من أن البيانات التي أصدرتها منظمة الصحة العالمية ومراكز الأبحاث المتخصصة قد أكدت أن نسب التعافي اليومي من هذا المرض قد بلغت قرابة عشرة أضعاف عدد الإصابات الجديدة في الصين، وهو أمر يدل على بداية السيطرة على هذا المرض، على أقل تقدير في بلد المنبع. لكن إعلام التهويل العربي لا يزال ينفخ بالونات الرعب، من أن من أصيب به مصيره الموت. ولست ضد الاحتراز في الحجر الصحي، وفي الإقفال الطوعي لبعض البيئات الحاضنة لانتشار مثل هذا الفيروس؛ إذ إنه حتى حالة الوفاة الواحدة يجب علينا الحرص على تفاديها. لكن المبالغة في وصف سرعة الانتشار لها مردود سلبي على حياة الناس، وعلى اقتصاداتهم، وحتى على المزاج العام للبشر الذين يحتاجون إلى مزيد من التفاؤل من أجل العيش بسعادة.

@falehajmi