عبدالرحمن المرشدalmarshad_1@

طغت المادة على كل شيء ولم يعد هناك مجال من مجالات التجارة إلا ويعاني من وجود ضعاف النفوس الذين لا هم لهم سوى جمع المال بأي طريقة كانت ضاربين بالقيم والمبادئ عرض الحائط، وإذا كنا نستهجن هذا العمل في مجالات (البزنس) فمن باب أولى أن نستغرب هذا العمل في مهنة تعتبر -أم الأعمال الإنسانيةـ ألا وهي مهنة الطب، ولكن متى دخل مبدأ الربح والخسارة في هذه المهنة وحولها إلى مؤسسة تتعامل مع المرضى من هذا المنطلق؟.

الطب قديما لم يكن بالشكل المتعارف عليه حاليا، فقد مر بالعديد من المراحل حتى وصل إلى هذه المرحلة المتقدمة، حيث كان يمارس هذه المهنة بعض الأشخاص بشكل منفرد وما زلنا نقرأ جميعا نصائح (طبيب العرب) في العصر الجاهلي الحارث بن كلده الذي كان يستقبل المرضى من كل حدب وصوب وتأتي إليه وفود العرب تطلب نصحه وإرشاده وعلاجه، وبالطبع لم تذكر تلك المصادر أنه يتعامل بمبدأ التجارة أو الربح والخسارة وكذلك عمل الألوف الذين امتهنوا هذه المهنة النبيلة من بعده حتى بعد تطور الطب وإنشاء (البيمارستانات) الحكومية التي كانت تستقبل المرضى وتصف لهم الأدوية المناسبة، فالأطباء في تلك المراحل لا يبتغون من هؤلاء المرضى جزاء ولا شكورا إنما يريدون الأجر من الله عز وجل، وهذا المريض عندما حضر فهو بين يديهم يتعاملون معه وفق ضمائرهم لا وفق الربح والخسارة.

في العصر الحديث وبعد انتشار العيادات ومن ثم المستشفيات الخاصة تحولت المسألة إلى بيع وشراء، حيث يبدأ الطبيب بعيادة ومن ثم مستوصف وبعد ذلك مستشفى مستفيدا من الدخل الكبير الذي يأتيه من المراجعين ومما يصفه لهم سواء حقيقة أو وهما، فالكثير من المراكز الصحية توهم المريض أنه بحاجة لتحاليل وأشعة وغير ذلك بينما في حقيقة الأمر لا داعي لما سبق وبعد هذه المرحلة يأتي دور الأدوية من خلال وصف ستة أو سبعة أنواع والحاجة لنوع أو نوعين فقط بحكم أن الصيدلية تابعة للمركز الصحي، وكذلك تفعل المستشفيات من خلال العمليات غير الضرورية والتنويم وخلافه، والأدهى والأمر عندما يعمل طبيب في مستشفى حكومي صباحا وفي المساء بالمستشفى الخاص وعندما يأتيه المريض في المستشفى الحكومي يطلب منه عدم إجراء عملية معينة لعدم الحاجة وعندما يأتيه نفس المريض في المستشفى الخاص لنفس العلة يطلب منه إجراء العملية للحاجة إليها بسبب حصوله على نسبة في الخاص.

وما يحدث في عيادات التجميل لا يصدقه العقل يجعلنا نشك ونتساءل هل فعلا مهنة الطب ما زالت مهنة إنسانية؟.