د. سعيد عطية أبو عالي

قبل ما يقارب ربع قرن، وكان ذلك في عام 1417هـ، اهتبلتُ فرصة انعقاد مؤتمر الأندية الأدبية السعودية بنادي الباحة الأدبي وألقيتُ محاضرة بعنوان «الإسلام والغرب».

تشرفت يومها بحضور رؤساء الأندية لمحاضرتي لاسيما وهم قامات فكر وأدب ووطنية، ومنهم بالطبع أستاذي وموجهي فضيلة المربي الأديب الشيخ سعد بن عبدالله المليص رحمه الله، بصفته رئيساً لنادي الباحة يومذاك.

أكرمتني جريدة الندوة (آنذاك) بنشر محاضرتي كاملة.. وجاءني اتصال من الأستاذ الأديب حمد القاضي رئيس تحرير المجلة العربية يومذاك، يستأذن في نشر المحاضرة كاملة في أول كتيب مرفق بالمجلة في إصداراتها. تملكتني الدهشة والفرحة، فما كان مني إلا أن شكرته على هذا الشرف من مفكر رفيع، يرأس تحرير مجلة رفيعة تتوزع في أنحاء الوطن العربي الكبير.

واليوم.. ونحن نعيش العام 1441 للهجرة النبوية المظفرة أودُّ الحديث عن موضوعين هامين.

الأول: يتعلق بمحاضرتي، فقد تمنَّيت لو كان عنوانها المسلمون والغرب بدلاً عن (الإسلام والغرب) لأنَّ الإسلام في ذاته قوي ومتفرِّد، قويٌّ بمحتواه الفكري وبمجال انتشاره، فهو دين عدالة وحرية ومساواة لجميع الناس في جميع بلاد الناس.

الإسلام ليس للغرب ولا للشرق.. هو دين الناس أجمعين ولا ينحصر في المقارنة مع الغرب. إنه دين الناس، ولكن العنوان جاء للردِّ على الأكاديمي الأمريكي صامويل هنتنجتون الذي حذَّر الغربيين من خطورة الإسلام فيما سمَّاه الهلال الدموي على الغرب، وهنتنجتون أستاذ بجامعة هارفارد أشهر الجامعات الأمريكية. وبقراءتي اليوم لمحاضرتي أراها لا تزال حجر أساس لمناقشة مجريات الحوار بين المسلمين والغرب.

الموضوع الثاني: يخص الواقع المَعيش في هذه الأيام على الكرة الأرضية، ويمكن تفنيده باختصار في النقاط الآتية:

1. يشِّكل المسلمون تقريباً ربع سكَّان المعمورة ألف وثمانمائة مليون نسمة، ينتشرون في أرجاء القارات الست.

2. يعاني العالم الإسلامي حالياً موجة الإرهاب. ويواجه هجوماً فكرياً من بعض قادة الغرب.

3. يحيا العالم الغربي في بحبوحة من العيش، ولا يتعرض لأعمال إرهابية إلا نادراً، سواءً من حيث الجغرافيا أو من حيث المصالح الغربية، مثل عملية أوكلاهوما بأمريكا عام 1995م، وتفجيرات برجي نيويورك عام 2001م.

4. مفكرون مخلصون من المسلمين وغير المسلمين يدينون الإرهاب بجميع أشكاله، لأن الجميع يعاني من الإرهاب.

5. الإرهاب في مضمونه يعتمد القتل والتخريب بين الناس دون تمييز.. وهذا ما شهده العالم في باكستان والهند ومصر وأمريكا وفرنسا والفلبين. وبلادي، المملكة العربية السعودية، قد تكون أكثر البلدان التي عانت من الإرهاب ولكنها تصدَّت له بالإقناع والجدل العلمي مع الفئات الضالة (الإرهابية) ومقاومة الأعمال الإرهابية الموجهة، وتحويل المتهمين منهم إلى محاكم شرعية عادلة.. وهذا قلَّل -ولله الحمد- من وتيرة الأعمال الإرهابية داخل البلاد.

النقاط السابقة ما هي إلا دلالات واضحة على سقوط نظرية صامويل هنتنجتون، والتي ملخصها أنَّ الإرهاب مصدره بلاد المسلمين وأنَّ المستهدف هو الغرب.

ولعلَّ الواقع الدولي المَعيش من حيث هيمنة الولايات المتحدة على القرار العالمي، وتفرّدها (أي أمريكا) بالقوة الاقتصادية والعسكرية، يمهِّد الأرضية لمقالي القادم عن القوى الكبرى المتحكمة في القرارات العالمية في المستقبل.

ملاحظة هامة: كان عنوان مقالي السابق (الشورى بين النظرية والتطبيق) وهو عنوان الكتاب القيّم الذي أصدره الدكتور سعيد بن علي بن شبلان. والدكتور سعيد كان ضابط أمن سابقا بوزارة الداخلية واليوم هو رجل أعمال ذو ثقافة عالية.