د. فالح العجمي

ربما يتساءل كثير من القراء، ولهم في هذا كامل الحق: ما الذي يجمع الفئتين اللتين أشار إليهما عنوان هذه المقالة، وما طبيعة هذه الصلة؟ الفكرة نشأت عندما كنا ذات يوم نتحدث عن المشروبات الغازية، وكيف يمكن للإنسان العاقل أن يجنّب نفسه وعائلته وكل من يريد له الخير، شر هذه المنتجات التي أصبحت تتغلغل في النظام الغذائي، مع بالغ الأسف، لكثير من بلدان العالم؛ بما في ذلك عدد كبير من البلدان المتقدمة. واتفقنا على أن هذا الشر غير ممكنة إزالته، لأن الوسائل الرأسمالية التي أدرجتها في حياة المجتمعات قد كفلت لها ضمان الاستمرار إذا كانت تستطيع استخدام آليات الدعاية وفن إغراء الصغار وقليلي المعرفة ببعض صفات مضخمة ومتوهمة، ليسيطروا عليهم عن طريق إدمانها، ثم لا يكون لهم فكاك منها، بسبب كون السكر الذي تحتويه تلك المشروبات بنسبة كبيرة جداً، أحد عناصر الإدمان التي تغري الدماغ بالمكافأة السلوكية عند تناولها.

وبقينا نقلب الأمور، ونفكر في سيناريوهات ممكنة لإنقاذ شبابنا من تلك الآفة. ولم يكن أي من تلك السيناريوهات مجدياً، لأنه من خلال تجارب بعضنا بمنعها من دخول المنزل، أو تكثيف النصائح للأولاد بأنها أحد أشد السموم فتكاً بكثير من الوظائف الحيوية في الجسم؛ فإن المجال يبقى مفتوحاً أن يحصل عليها الأولاد في المدارس أو مع الأصحاب أو في المناسبات التي يتوجهون إليها بمفردهم، أو حتى بعد أن يكبروا، ويصبحوا مسؤولين بأنفسهم عن اختياراتهم. فمن خلال ما رأيناه -نحن المجموعة التي كانت تتداول الموضوع- تيقنا أن سلطان الدعاية، وقوة المال، كفيلان بأن يجعلا المنتجات التجارية براقة ومغرية، وأن يقلصا مساحة الشكوك في سلبياتها بعدم الالتفات إلى من يبرز أياً من أضرارها، أو فضل منتجات أخرى عليها.

وفي ذات الجلسة عرضنا في سياق آخر إلى مشاهير الغفلة (ممن أوصلتهم إلى الشهرة وسائل التواصل الاجتماعي) الذين أصبح يعرفهم الآلاف، وأحياناً الملايين، وهم لا يساوون شيئاً في فكرهم أو مواهبهم أو حتى قدرات بعضهم العقلية. فربما كانت الصدفة خلف شهرة بعضهم، إلى الدرجة التي جعلت بعض طلاب هذا النوع من الشهرة يسعون إلى تعريض أنفسهم للمهانة، أو إرفاق صورة مشينة لعلها تكون سبباً في الرواج والحصول على الشهرة حتى وإن كان عن طريق السمعة السيئة. وأحياناً يكون أحد من وصلوا إلى الشهرة في تلك المنصات وسيطاً لأحد أقاربه أو معارفه لإعطائه مزيدا من الانتشار؛ لا لموهبة أو قدرات يملكها ذلك القريب أو المعرفة، بل لأن الوسيط قد ذكره أمام الملأ الذي يتابع أخباره. وبذلك يسلك الآخر نفس الطريق، ويصبح علماً إن أحسن الاستفادة من الفرصة.

وهناك من قال: أين تقع المشكلة يا قوم؟ في ظني أن المشكلة تقع في الدهماء -كما تقول العرب- وهم جمهور العامة، الذي يفضّل التبعية لأصحاب البهرجة؛ سواء كانوا كهاناً في المجتمعات البدائية، أم ممثلين ونجوماً في القرن العشرين، أم أناساً فارغين لا يحسنون إلا تصوير أنفسهم ومداعبة عواطف ذلك الجمهور لإغرائه بمزيد من التبعية. وهذه الحالة في ظني هي ما يربط شهرة أولئك الخاوين، لأن الجمهور يمنحهم إياها بانتشار تلك المنتجات الغازية، التي لو لم يطلبوها ويقعوا في حبائل دعاياتها، لما كان لها هذا الانتشار!

@falehajmi