د. شلاش الضبعان

ذكر البهاء العاملي في كتابه الكشكول أن الأديب الكبير الأصمعي قال: كنت أقرأ «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ، واللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» وبجنبي أعرابي، فقال: كلام من هذا؟، فقلت: كلام الله، قال: فأعد، فأعدت، فقال: ليس هذا كلام الله، فانتبهت، فقرأت: «وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ»، فقال: أصبت هذا كلام الله، فقلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا! فقلت: من أين علمت؟، فقال: يا هذا عز فحكم فقطع فلو غفر ورحم لما قطع.

مع أهمية حفظ القرآن وإتقان تلاوته حتى لا يضيع الإنسان النعمة الكبرى بكونه عربيا نزل كلام الله بلسانه، وحتى لا يكون مصدر سخرية لمن يستحق ومن لا يستحق، إلا أن المراد في هذا المقال هو النباهة التي تميز بها هذا الأعرابي، والنباهة هي طريق التميز والنجاح، فلا يمكن أن يكون الإنسان ناجحا وهو بليد.

والنباهة أمر نكاد نفقده في عالمنا اليوم مع سيطرة التقنيات الحديثة وتوفير كل ما يريد الإنسان بضغطة زر وبدون أي جهد فكري أو بدني، ولذلك أصبح الإنسان عندما يفكر يُصاب بالصداع، وشواهد تآكل النباهة في شوارعنا ومؤسساتنا ومجالسنا تؤلم القلب ولا تكاد تخطئها العين.

المجتمعات لا تقوم إلا بالنابهين، ولذلك لا بد أن توضع الخطط والبرامج اللازمة لحفظ النباهة وتنميتها، سواء على المستوى الفردي أو المؤسسي بداية بالبيت مرورا بالمدرسة وليس انتهاء بالجامعة.

فالنباهة كغيرها يمكن اكتشافها وصقلها وتنميتها، من خلال بناء برامج - حتى ولو كانت بسيطة- وتفعيل الموجود، ومن وسائل ذلك تنمية مهارات القراءة والكتابة والاطلاع، والعناية بالرياضيات والألغاز، وهناك برامج متخصصة في تنمية مهارات التفكير كالكورت وغيره.

وفي مسارٍ مواز بالعناية بحماية فكرنا وفكر أبنائنا مما يدمره، ماديا كالمأكولات والمشروبات التي تهدم ولا تبني، والإفراط في استخدام الأجهزة حتى من سن مبكرة، ومعنويا بإشغال الفكر بالتافه وما لا يليق.

وقد قال الأول: هذه أعضاء حفظناها في الصغر، فحفظها علينا ربي في الكبر.

نحن بحاجة ليوم عالمي للنباهة نبتعد فيه عن الأجهزة الحديثة، ونفعّل فيه برامج تنمية النباهة، وكما نهتم ببناء الجسد الرشيق علينا أن نبني الفكر الرشيق، فالجسد مهما بنيناه سيضعف يوما ولكن الفكر يبقى ويدوم طويلا.