عبدالله الغنام

أيام الاختبارات الدراسية تصبح البيوت في حالة استنفار، ويختل النظام في الأكل والنوم، ويصبح القلق والوجل هو شعار بعض الطلاب، خصوصا الذين يحاولون إدراك ما فات عن طريق السهر الطويل من أجل مذاكرة ومراجعة المنهج كاملا في ليلة واحدة على عجل!

أما الآباء والأمهات فهم في حيرة من أمرهم، هل يدعون الأبناء يسهرون من أجل المذاكرة أو دفعهم إلى النوم مبكرا لأهمية التركيز وقت أداء الاختبارات؟. وهي دوامة تكرر في كل سنة وفصل دراسي.

والجديد في هذه السنة أن نظام الاختبارات التحريرية للمرحلة الابتدائية والمتوسطة قد عاد مجددا بعد غياب عدة سنوات مستبدلا نظام التقويم المستمر، والذي كان البعض يرى عليه ملاحظات منها كثرة الناجحين في مقابل الكيفية. وهناك من يرى أفضلية نظام الاختبارات التحريرية؛ لأنها تحقق التنافس وتظهر الفروق الفردية. واعتقد أن التنافس هو أمر ضروري؛ لأنه محفز قوي للإنسان لإظهار مواهبه المدفونة، وكذلك جعل الطالب مشغولا بالتفوق، وأخذ مسألة الدراسة على محمل الجد. ولأن البعض بدأ يتساهل مع فكرة «التقويم المستمر» اعتقادا أن الجميع سوف ينجح أو الأغلبية منهم. وهو صراع بين المدرسة التقليدية والمدرسة الحديثة، وكلاهما يبحث عن الفائدة للطالب، والخروج بنتائج تعليمية أفضل وأقوى، ورفع المستوى التعليمي والتحصيلي لدى الطلاب والطالبات.

وفكرة الاختبارات بوجه العموم كانت موجودة منذ زمن طويل وخصوصا في التخصصات المهمة من أجل ضمان جودة المخرجات. ويُروى أنه في زمن الخليفة العباسي المقتدر بالله «القرن الرابع الهجري» حدث خطأ طبي من أحد الأطباء أدى إلى حالة وفاة، وإثر ذلك أمر الخليفة رئيس الأطباء في بغداد العالم الفذ سنان بن ثابت بن قرة أن يختبر الأطباء قبل ممارسة المهنة من أجل إجازتهم. وقد ذُكر أن عدد الذين امتحنهم وصلوا إلى أكثر من 800 طبيب، ولكننا لا نعلم كم عدد الناجحين أو نسبة المتفوقين منهم؟!. وإذا أردنا معرفة سر التفوق، فلنبحث عن لمسة المعلم!. وقد قال شيخ أبو حنيفة له يوما: إني أرى لك عقلا ليت كله يكون للعلم! (لأن أبو حنيفة كان منصرفا أكثر لطلب التجارة في شبابه).

أعتقد أن الاختبارات التجريبية والتحريرية تعطي هيبة للمواد الدراسية، وكذلك تعلم الطالب على الاستعداد لاختبارات الحياة. حيث إن اختبارات الحياة تحتاج إلى استعداد نفسي وتهيئة وتدريب، وهي خليط من الاستعداد والجرأة، وتحمل بين جوانبها أيضا شيئا من التوتر والترقب الطبيعيين، وكلها أمور إيجابية مفيدة ومحفزة، مثلما يكون ترقب واستعداد الطالب للاختبارات الدراسية بأنواعها، والتي تبني وتصقل شخصية الطالب.

وعكس ذلك بعض الأمثلة الشعبية المتداولة والتي تحمل بين ثناياها تهبيطا للهمم والعزائم، كمقولة: في الاختبار يكرم المرء أو يهان!. ولست اتفق أبدا مع هذا المثل؛ لأنه لا ينطبق مع الفكرة الحقيقية للاختبارات المدرسية. فالاختبار مجرد امتحان ومحاولة للنجاح، وقد يشوبها شيء من الإخفاقات، ولكن الإصرار كفيل بتمهيد الطريق مرة بعد أخرى. وليس في ذلك أي نوع من الإهانة، بل هي مسالة محمودة في عدم الاستسلام وتكرار المحاولات. وقد قيل في المثل الياباني: إذا وقعت سبع مرات فانهض في الثامنة. وهل الحياة كلها إلا سقوط ونهوض وتجارب واختبارات؟!.

والأمر الآخر المفيد في أيام الاختبارات أن حياة الطالب تصبح تحت الضغط ما بين النوم والاستيقاظ، والاستعداد والغفلة، وضبط الأوقات وهدرها، وكل هذه الحالات هي نموذج مصغر لضغوطات الحياة التي هي أكبر وأشمل وحتما سيواجهها الطالب في مسيرته بعد التخرج.

فلعنا ننظر إلى الاختبارات من جانب آخر مضيء على أنها تجربة نافعة ومثيرة للطلاب والطالبات حتى ولو تذمر البعض منها، فالدواء وإن كان أحيانا مُرّا ولكن فيه الشفاء على المدى البعيد.

وهمسة في أذن الطالب، اليوم ستتعلم وغدا ستُختبر، ولكن في الحياة سوف تُختبر ثم تتعلم!!

abdullaghannam@