خالد الشنيبر

في الأسبوع الماضي أصدرت وزارة العمل قرارا لتوطين وظائف السلامة والصحة المهنية للمنشآت العملاقة والكبيرة والمتوسطة، ويهدف هذا القرار إلى تعزيز ممارسات السلامة والصحة بما يسهم في حماية سلامة وصحة العاملين والحفاظ على الممتلكات والبيئة، وتعزيز إيجاد فرص عمل جاذبة «تطويرية» للمواطنين في القطاع الخاص، والإسهام في تعزيز مفهوم بيئة العمل الجاذبة مما ينتج من ذلك رفع مستوى مشاركة المواطنين والمواطنات في سوق العمل كما هو مستهدف.

من وجهة نظري الشخصية ما زلت أرى أن توطين المهن في الوقت الحالي أجدى من توطين القطاعات بشكل كامل إلا إذا كان الأساس هو الاعتماد على الميز التنافسية المناطقية، وبالرجوع لنتائج دراسة الانكشاف المهني والتي تمت قبل عدة سنوات سنجد نتائج مذهلة فيما يخص سيطرة بعض الجنسيات على بعض المهن وخاصة المهن التطويرية والتي لها مسار وظيفي واضح، واتضح من نتائج الدراسة افتقارنا لكوادر سعودية مهيأة في أغلب تلك المهن، ولذلك أرى أهمية أن تكون قرارات توطين الوظائف تنبع من نتائج هذه الدراسة المهمة وتخصيص تقويم زمني لها يتم الإعلان عنه مسبقا.

المملكة تشهد تطورا واسعا في القطاع الصناعي، والتفاؤل أصبح أكبر منذ الإعلان عن استقلال وزارة الصناعة، وستشهد المرحلة المقبلة تزايدا لأعداد المصانع في مختلف المجالات مما يؤدي لارتفاع عدد العاملين فيها، وستصاحب تلك المرحلة تطورات عديدة من الجانب الصناعي خاصة في التعامل مع العديد من المواد الكيميائية والأجهزة والآلات الحديثة والتي تحمل في طياتها الكثير من المخاطر، ومع هذا التطور في القطاع الصناعي فقد ازدادت أهمية الصحة والسلامة المهنية في المملكة، وشهد ذلك اهتماما في سن الأنظمة التي تهدف لحماية عناصر الإنتاج الأساسية والتي من أهمها ما يخص العنصر البشري، وصدرت أنظمة تتعلق بحماية العامل والتعويض عن إصابات ومخاطر العمل واتخاذ كافة الاحتياطات التي من شأنها حماية العمال والمنشآت وزيادة الإنتاج ودفع عجلة التطور الصناعي.

قبل عدة سنوات كان لي نقاش مع مسؤولين في وزارة العمل بعد مقال لي عن أهمية توطين الوظائف التطويرية بدلا من الاعتماد على التوطين الكامل للأنشطة، ومن أهمها كانت الوظائف التي تندرج تحت تخصص الصحة والسلامة، والسبب الرئيسي لذلك لأن المسار الوظيفي لهذا التخصص يعتبر مسارا مميزا ومغريا للعمل فيه ومردوده المادي قوي من ناحية الأجر والمميزات، وتلك الوظائف في الوقت الحالي تشغلها بنسبة كبيرة أيدٍ عاملة وافدة في مختلف المستويات، وللأسف نشهد الكثير من طلبات التوظيف بتلك الوظائف في القطاع الخاص باشتراط جنسية غير سعودية وبمميزات مغرية، وهذا يدل على احتياج كبير وقوي لتلك الوظائف وبشكل مستدام للسنوات المقبلة.

أتفق كليا مع التنظيم المعلن عن هذا القرار، وأجزم بأن مثل تلك القرارات ستكون لها آثار إيجابية على سوق العمل، فالفترة الماضية شهدت بعض القرارات التي تسببت في آثار سلبية، وكانت نتائجها ضارة على سوق العمل وجميع أطرافه، وأدت إلى ولادة «البطالة المقنعة» والتي أعتبرها من أسوأ أنواع البطالة؛ لأن تأثيرها سلبي جدا على الإنتاجية والاقتصاد وتسببت في وجود «العمالة الناقصة» والتي لا يتمنى أي اقتصادي أن نصل لها.

المعاهد الربحية أو المعاهد الخاصة بالمنشآت الكبيرة والعملاقة تعتبر «ذراعا» لم يتم استغلاله من وزارة العمل ولا من صندوق الموارد البشرية، ولو كان بيدي من الأمر شيئ لقمت بدعم تلك المعاهد؛ لأنها محور أساسي في تحويل المسار التخصصي للعديد من المتعطلين والذين أغلبهم يحملون المؤهلات الثانوية أو مؤهلات في تخصصات تشبع منها سوق العمل، بالإضافة لتخصصات لا توائم متطلبات السوق، وعلى سبيل المثال نجد أن تلك المعاهد بإمكانها دعم قرارات توطين الوظائف من خلال برامج تخصصية وتسهيل توظيف الملتحقين فيها بعد الإنتهاء من البرنامج، وتعتبر تلك الطريقة الأسرع والأمثل لرفع مستوى مشاركة المواطنين في سوق العمل.