د. نورة عبدالله الهديب

اتصل بي صديق قديم قد حُرم من الذرية لمدة سبع سنوات، أذكر أنه كان يتلهف شوقاً على ذريته، التي لم يكتبها الله تعالى بعد. كانت محاولاته في تلك الفترة مُكلفة جسدياً ومادياً ونفسياً. بالرغم من رزق الله تعالى له إلا أنه كان ينتظر هدية السماء (الذرية). وكعادة الإنسان فالضعف ضيف ثقيل على الأقوياء لأنه يتلاعب على الأوتار المشدودة دائماً. يحكي لي ذلك الصديق أنه عندما اختنق ذلك اليوم، قرر أن يستسلم لضعفه ولكن قراراته كانت وكأنها سراب. فكلما هرول إلى السراب يرجع لنفس النقطة ليقرر الاستسلام لضعفه من جديد، وهكذا. وفِي أثناء ذلك الصراع، يتفاجأ بزوجته أنها حامل ولَم يكن الفرح والبكاء والحمد والشكر كافية للتعبير عن مشاعره. خرجت ابنته إلى الدنيا وخرجت عاطفته معها. في الماضي كان يشتكي لي من قسوته وكبريائه في التعامل مع الآخرين بالرغم من طيبة قلبه، حتى قال لي: دكتورة بعد أن رأيت طفلتي أشعر بأنني إنسان آخر، بدأت أعرف معنى الأبوة. وزاد إعجابي بكل أب أصادفه وكأنني أودّ تقبيل رؤوس الآباء والأمهات لأنني عرفت كيف أن يكون قلب الإنسان معلقاً بأحد أعضائه المتمثلة أمامه. مازال ذلك الصديق متعجباً من مشاعره، التي تحولت من قسوة إلى رحمة يتعامل بها مع مَنْ حوله. قد حكى لي مواقفه مع محيطه وكيف أصبح يتعامل مع الجميع بعاطفة الأبوة. وكأنه ثوب جديد يرتديه، فالحياة أصبحت رحمة وكل ما حوله أصبح يذكّره بطفلته. فالتحول العاطفي كان واضحاً بالنسبة له، فالقسوة أصبحت رحمة يتعامل الإنسان بها مع محيطه. حفظ الله تعالى ابنته ورزق كل محروم نعمة يتحدث بها عن فضله سبحانه عليه. قصة أخرى تتحدث عن تحول العاطفة، صديقتي تلك المرأة التي سُلب منها أطفالها بعد قصة طلاق طويلة. كان طليقها يستخدم نقطة ضعفها في أطفالها فالحرمان والقهر والعنف الممارس على أطفالها كان كفيلا بأن يقضي عليها. ولكن عذابها النفسي قد فرّغته في مساعدة أطفال الغير. بعد أن نجحت في حضانة أطفالها واحتوائهم، قررت أن تنتقم بطريقتها الخاصة. لتقول: يا دكتورة لم يعد هناك متسع من الوقت لأطارد خلف الأوراق والمحاكم لأخذ حقي وحقوق أطفالي. فبعض الأطفال مازالوا ضحايا العنف والانفصال ووجب عليّ مساعدتهم. قد استطاعت صديقتي تحويل مشاعر الظلم والقهر إلى عواطف حب وعطاء لمَنْ يعاني قسوة الحياة. فالتطوع والمشاركة في طرح الاستشارات والدعم بأنواعه كانت واجبات قد ألزمتها صديقتي على نفسها. نعم، فالإنسان يستطيع أن يحوّل مشاعره السلبية إلى الإيجابية ليشعر بتجديد الحياة في داخله. فجميعنا عرضة لصدمات ولكن هل جميعنا قادر على تحويل تلك الصدمات إلى رايات بيضاء لفرض السلام؟!