عبدالله الغنام



لا شك أن الوطن يسكن في قلب كل واحد منا، وحبه مغروس في عقولنا وقلوبنا منذ الصغر. واسألوا إن شئتم أولئك الذين تغربوا عنه لدراسة أو عمل أو الذين طال عليهم الأمد وأثقلهم البعد، وأتعبهم الحب وأدمعهم الحنين شوقا إلى أحضانه. وقد قال الشاعر طاهر الزمخشري -يرحمه الله- عن الوطن: بلادي بلادي بلاد الهدى.... تجاوزت بالمجد أقصى المدى.

وها نحن نعيش اليوم الوطني مع موعده من كل سنة يذكرنا بعشق هذه الأرض، ويذكرنا بما أعطت وبذلت بلادنا الغالية لنا؟ وكم عانت الأجيال التي سبقتنا من أجل أن نتوحد تحت راية واحدة، وانتقلنا من الاختلاف والتنافر والشقاق إلى الوحدة والإخاء. وكان قائد هذه المسيرة الطويلة المظفرة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه-، حيث تم توحيد وطننا المعطاء من أجل أن نعيش مجتمعين في الكلمة والصف.

ولعله يكون لنا نصيب من دعوة «أبو الأنبياء» إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين قال: (رب اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ). ونحن اليوم نعيش بين خيراته وننعم في أمانه، فهل أدينا شكره فعلا وقولا؟ وماذا بذلنا له من العطاء وردا للجميل؟. العطاء هو سر من أسرار السعادة والراحة. والعكس صحيح، حيث إن الشقاء في الأخذ والطلب، وعندما تطغى «أنا» على كلمة «نحن».

ولعل من صور العطاء للوطن أن يكون لنا دور فعال فيه، وبتضافر وتكامل الأدوار يقوى صرحه. ومن المهم ألا نستصغر أي عمل أو دور نقوم به، فقد قيل: إن الجبال من الحصى. ومن التكامل والمشاركة في البناء أن نبذل من أوقاتنا. ومن أجمل صور البذل الأعمال التطوعية التي هي أرقى أنواع العطاء لرد الجميل لبلدنا، وأن لا نبخل عليه باستقطاع جزء من أوقاتنا في مختلف المجالات وكل له دوره. وكلنا يملك موهبة ووقت فراغ ويستطيع أن يقدم شيئا. وأصبح من المعروف والمؤكد أن الناس يملكون ذكاءات متعددة «اللغوي، المنطقي، البصري، الحركي، مهارة التواصل» وغيرها من المهارات والمواهب التي ممكن أن توظف في مصلحة الوطن من خلال الأعمال التطوعية والإنسانية المختلفة.

وهناك الكثير من الجمعيات التطوعية الرسمية والمؤهلة التي تنتظر من أبناء وبنات الوطن المشاركة بها. ويدعم هذا التوجه الرائع رؤية 2030. حيث إن سقف الطموح في أن يصل عدد المتطوعين بعد 11 سنة من الآن إلى مليون متطوع. والأكيد أن طاقات الشباب «الذين يمثلون 60% من المجتمع» حين يتم توجيهها ودعمها نحو العمل التطوعي الإنساني سوف يرقى الوطن والمجتمع إلى آفاق جديدة، وهو علامة ومقياس لتطور المجتمعات والدول. بالإضافة أن يكون للقطاع الخاص من الشركات والمؤسسات عمل تطوعي مستمر وفيه ديمومة ومشاركة فعالة في بناء المجتمع مع القطاع العام. والطريق إلى القمة يكون بالعمل جنبا إلى جنب مع الآخرين، ويد الله مع الجماعة.

وفي جانب آخر لابد في اليوم الوطني من التذكير والاهتمام بغرس القيم للبناء والعمل الفعلي الجاد، والمحافظة على ثروات الوطن و مقدراته ومكتسباته. ومن الوفاء لبلادنا احترام القوانين والأنظمة والمحافظة على البيئة والتراث حتى تصبح ظاهرة عامة للمجتمع.

ولا يمكن أن يمر اليوم الوطني دون لمسة وفاء وعرفان بأن نتذكر إخواننا الجنود البواسل ورجال أمننا الذين يذودون ويدافعون عن هذا البلد ليقدموا أروع التضحيات بأنفسهم من أجل دينهم ووطنهم. وكلنا فخر بما يقومون به لحماية الوطن وحدوده والحرص على أمنه ليلا ونهارا، وهم صابرون ومرابطون ويتحملون عنا كافة الصعاب والمشاق، ويكابدون ألم البعد والفقد.

وختاما، إنه من الرائع أن نتغنى للوطن ونحتفل به، ولكن الأجمل أن تكون أعمالنا تسابق أقوالنا.