د. فالح العجمي

قبل أن نصل إلى المقولة الشهيرة للمحلل النفسي جاك لاكان من أنه «لا يوجد بين شخصين إلا الكلام أو الموت»، نهيئ لهذه الفكرة من خلال توضيح قيمة اللغة بوصفها نظاماً اجتماعياً؛ يسهم في خلق الوشائج بين أفراد المجتمع، وتُبنى من خلالها العلاقات بين البيئات المتعددة المكونة لطبقاته المختلفة. وتنطلق الفكرة التأسيسية لهذه الجدلية التاريخية -وفق الدراسة التحليلية النفسية التي قام بها مصطفى صفوان- من سؤالين رئيسين: أولهما، ما الذي يشكّل وحدة المجتمع؟ وهو سؤال يحاول بعض الكتّاب المعاصرين الإجابة عنه من خلال دمج «الإنسان الاقتصادي» (Homo economicus) مع «الإنسان الاجتماعي» (Homo sociologicus) عند عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم. أما السؤال الثاني فهو: كيف يحدث ذلك الدمج، بالرغم من استمرار تعلّق الإنسان بالوحدة والتفرد بشخصيته وخصوصياته؟ وهذه الازدواجية يعززها حلم كثير من الناس بالعيش المنفرد بعيداً عن بقية البشر، سواء كان ذلك بصورة دائمة، أو في حالات استرخاء وابتعاد عن المجموعة وصخبها؛ وذلك من خلال التمتع بإجازات في مناطق نائية ومنعزلة عن بقية البشر، أو في طقوس تعبدية وفلسفات حياة هدفها الانعزال عن كل ما يعكر الصفاء الداخلي للإنسان. وكل هذه الجوانب تتفاوت من مجتمع إلى آخر، وفقاً للظروف الحياتية المختلفة التي تفرضها الحضارة على الأفراد بصور متعددة في المجتمعات المختلفة، أو حالات الكبت التي تمليها عليهم أثناء عيشهم بين الناس تحت ضغوط الحياة المتزايدة. وهي مرعبة، وقد تؤدي إلى أمراض وعلل نفسية ربما تقود بعضهم إلى الانتحار.

عودة الآن إلى عبارة جاك لاكان المتعلقة بضرورة العلاقة اللغوية بين الأفراد، أو حتمية الموت للكائن الحي دون وجود التواصل المستمر والفاعل، لإبقاء هذه الوسيلة المتمثلة في اللغة قائمة ومساندة لعناصر الحياة. وبدون الكلام يصبح الإنسان بصدد الموت الكياني، وتنتفي أبرز شروط إمكان قيام المجتمع الإنساني. ولذلك كانت جدلية «الكلام أو الموت» تعبيراً كاشفاً في فهم أبعاد الوجود الإنساني وتفاعلات البشر. فإما حوار تحت مظلة نظام الكلام الرمزي، واعتراف متبادل بين ذاتين، وإلا فهو العنف الذي يتكاثر راهناً على مدى الساحة العالمية، وما يجرّه من تنكر لإنسانية الآخر، وصولاً إلى هدره وقهره واستغلاله، وحتى إبادته.

وتكمن قيمة هذه الجدلية فيما تحمله من رسائل سياسية بين الأفراد، وبين الحاكم والمحكوم، مثلما هي بين الشعوب. بل إنها تتجاوز السياسة بمعناها الشائع، وصولاً إلى الديمقراطية الفعلية، وفحواها يتمثل في أن قانون الكلام هو المؤسس للتعاون، والملزم للطرفين، والناظم للعلاقات بينهما. فهو بذلك قانون سابق على القوانين المدنية التي بدأ البشر في فتراتهم يسنونها ضمن دساتيرهم، وفي لوائح منظماتهم الدولية التي تنظم الأمن وتحرص على حماية مكتسبات البشر من ثقافة وفنون وعلوم وقيم أخلاقية راقية. ويعد ذلك القانون أحد الأسس التي تجعل الاجتماع الإنساني ممكناً، إذ تتم من خلاله تسوية العلاقات بين الإنسان مع ذاته، وبينه وبين الآخرين، كما يسهم أيضاً في الحكم الرشيد داخل المجتمع. فهو قانون يمكن من خلاله تحقيق حصانة الآخر ومنع قتله أو الاعتداء عليه، وقانون يساعد في منع التقلبات السلوكية من خلال تثبيت مدونات السلوك، وتحديد معايير صدقية المواقف والالتزام المتسق بها؛ ومن دون كل تلك القيم سيكون الانهيار هو مصير الروابط الإنسانية بين البشر.