أحلام القحطاني



لم يختر أي منا جنسه أو لونه أو هويته، بل كان الأمر مقتصرا على قدرة الله ومشيئته في تكوين الشعوب وتنوع أجناسهم وطبائعهم ومعتقداتهم، مما يجعلنا نقف احتراما أمام صنيع الله وإدركا بأننا رغم هذا الاختلاف في نهاية الأمر جنس بشري مرتبط بمصير واحد ومرهون بنهاية واحدة لن يميزنا عرق أو لون أو معتقد، لذا وجب علينا استيعاب فكرة الوحدة الإنسانية التي اجتمعنا عليها ونبذ كل ما هو تحت بند التمييز العنصري أو منح الأفضلية لفئة دون الأخرى في هذا العالم الإنساني الذي نشأ على العدل والمساواة منذ الوهلة الأولى له في هذا الكون، فقد أكد ديننا الحنيف على ذلك من خلال ما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية من أدلة وأحاديث دامغة، ولعل أهمها قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب» مما لا يدع مجالا للشك بأننا عند الله كأسنان المشط كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث آخر.

بالرغم من أن تعاليم الدين الإسلامي واضحة وجلية في هذا الأمر إلا أننا ما زلنا نتعثر بأولئك الذين يعتقدون بأن الله اصطفاهم عن خلقه وميزهم بأمور خيل لهم بأنها رفعتهم إلى الله درجات دون غيرهم. فإن أشكال التعامل العنصري عديدة وموجعة قد تبدأ باللفظ والتنمر وتتطور لتصل لمراحل متقدمة من النبذ والاستبعاد، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت على تفشي هذه الظاهرة من خلال بعض المستخدمين والمشاهير الذين كان من المفترض أن لا يغلقوا نوافذ التفكير المنطقي السليم في هذا الشأن الحساس، ويحرصون كل الحرص على التجديف في اتجاه كل ما يخدم المجتمع من خلال ما يقدمونه لمتابعيهم من فائدة، لا أن يقوموا بتجييشهم على غزو الآخرين بقنابل الألفاظ والتصرفات المحشوة بنيران العنصرية المقيتة التي لن تنطفئ ما داموا بارودا لها.

ضمن ميثاق محو كل أشكال التمييز العنصري الذي تندرج تحته المعايير الدولية لحقوق الإنسان كان الإجماع على مكافحة العنصرية والتفرقة والتعصبات المرتبطة بها، وذلك لما لها من أثر بالغ على الفرد والمجتمع وما تنتجه من اختلال واضح في الميزان الإنساني العالمي، ولتكن البداية من تكميم أفواه أولئك الذين يعتقدون بأن لهم حق الإقصاء لمن لا يتوافق معهم بالشكل أو الجنس، تماما كتلك الفنانة التي استنكرت وجود أعداد كبيرة من جنسية معينة بمجمع شهير في دولتها ثم بررت حديثها بحجة ما أحدثوه من ازدحام، وكأنهم تواجدوا في بيتها لا في مكان عام للجميع الحق التواجد والاجتماع فيه، مثل حقها بالضبط في تجمع حشود من المتابعين عند تواجدها في مكان ما مما قد يسد الطرقات ويعيق السير، ولو أن كل من مارس العنصرية وضع نفسه لوهلة مكان الآخر لما أقدم على ذلك أبدا.