عبدالله الغنام

نحن نعيش الآن بدايات السنة الهجرية الجديدة (1441هجري)، وهي تعلن عن نهاية الإجازة الصيفية وولادة سنة دراسية جديدة. وهكذا ترحل سنة لتأتي أخرى، وتلك هي سنة الحياة حيث إن لكل شيء بداية ونهاية. ولكن تراكم الخبرات والتجارب من السنوات التي مضت هو جائزتنا وستفيدنا لبداية أفضل.

في الحقيقة إن بداية السنة هي فرصة مواتية للتجديد وتحديد ما نريد. والسنة الجديدة وكذلك بداية الدراسة هما كخط البداية للانطلاقة الصحيحة؛ لأن الابتداء المنظم يختصر نصف الطريق، ويجعله أكثر وضوحا وسلاسة.

ومع البدايات لعلنا نفكر بمبدأ «قليل دائم خير من كثير منقطع» وله أصل من الحديث النبوي: «إن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل». إذا المقصد هو الديمومة مع القلة، فليست العبرة بالكمية مع كثرة الانقطاعات. فكم من مرة اتخذنا عدة قرارات وذهبت أدراج الكسل أو الإهمال أو التراخي؟!. والأمثلة على ذلك كثيرة، فمنها: إنقاص الوزن، المشي اليومي، حفظ أو قراءة ورد قرآني، الغذاء الصحي، تخفيف وجبات المطاعم، الانقطاع عن التدخين أو تقليله تدريجيا، المشاركة المجتمعية والتطوعية، التخلص من صفة سلبية، تعلم كلمات جديدة يوميا «اللغة الإنجليزية على سبيل المثال»، بدء مشروع تجاري، المحافظة على الصلاة المكتوبة، ادخار أو استثمار 10% من الدخل، المحافظة على الروابط الأسرية، وغيرها من الأمثلة المتعددة. إن المهم هو اختيار هدف يناسبنا بطريقة تناسبنا. ويكفينا من ذلك كل يوم خطوة واحدة فقط لتصبح عادة، ويصبح القليل كثيرا مع نهاية السنة.

ومن المهم أيضا الابتعاد عن كثرة الأهداف والخطط المعقدة «وكثرة الوعود لأنفسنا». وعلينا أن نكون أكثر واقعية. ونركز على أهداف محددة وقليلة. والأهم هو أن نبدأ، وقد قال مارك توين -كاتب ومؤلف-: «سر التقدم هو البدء».

ومن الطبيعي جدا أننا قد نضع بعضا من الأهداف «الوعود» ونفشل في الوسائل ونتأخر في تحقيق الغاية. فمايكل جوردون «لاعب السلة الشهير» قال: لقد أخطأت إصابة الهدف أكثر من 9000 مرة في حياتي المهنية، وخسرت ما يقارب من 300 مباراة!. فمسألة الإخفاق تحدث مع الكل، ولكن المهم تكرار المحاولة وبطرق مختلفة. واينشتاين قال يوما: لا يمكن أن تفعل نفس الشيء بنفس الطريقة وتتوقع نتائج مختلفة!. بمعني تعلم وغير الأساليب والطرق. ومن النباهة الاستعانة بأصحاب الخبرات في مجالهم، وقد قيل: أول الحزم المشورة.

والتجارب الواقعية تخبرنا بأن بداية الرحلة ليست سهلة، فخلق عادة أو الإصرار على تحقيق المراد يحتاج إلى مجاهدة ومثابرة. وجاء في الأمثال: من لزم الرقاد عدم المراد، ومن دام كسله خاب أمله. ويذكر أن الإمام ابن حجر الهيتمي كان يردد الحديث 500 مرة ليحفظه.

ومن الطرق العملية لتحقيق المراد «الهدف» تحديد أوقات معينة سواء للمذاكرة أو البحث أو ممارسة نشاط بدني أو مراجعة أعمال أو أي عمل جاد كان. فلابد أن تكون تلك الأوقات من ضمن جدولنا اليومي، وأن نتعامل معها بحزم حتى لا نضيعها. والبعض يسميها «الساعة الذهبية». ويذكر أن غاندي كان له يوم كامل «اليوم الذهبي» في الأسبوع يخلو بنفسه ولا يتحدث إلى أحد أبدا. وسواء كانت ساعة أو يوما، فنحن لا نختلف على الوسيلة، ولكن المقصود هو الغاية.

ومن الضروري عدم استعجال النتائج، فالبعض يركض يوميا لمدة أسبوع ويعتقد أنه بعد ذلك أصبح عداء مارثون!، أو أنه سينجح من أول مشروع، أو يحقق الامتياز من دراسة ليلة عابرة أو أنه سيقارع المتنبي من أول قصيدة يكتبها!. إن النتائج لا تأتي على هذا النحو، لآنها تحتاج إلى وقت وصبر، ولكن خلق الإنسان عجولا!.

والخلاصة، أن البدايات المنتظمة وإن كانت قليلة ومتثاقلة هي خير من الجمود.