سالم اليامي

قبل سنوات ليست بالبعيدة كنت في رحلة عمل إلى مدينة جنيف السويسرية، وفِي محطة القطار الرئيسية في المدينة التقيت بأحد الأصدقاء وهو شاب سعودي كان حينها يعمل ويقيم هناك. فرحتي بلقاء الصديق بددت وحدتي في مدينة جنيف، وأهم من ذلك أنها أتاحت لي الاجتماع بصديق عزيز مر زمن على لقائنا، بعد السلام والاطمئنان على صحة صديقي السعودي تواعدنا على اللقاء في يوم إجازتي من العمل، وهو نفس يوم إجازته الأسبوعية لعلنا نقضي يوما مع بعضنا نستعيد فيه بعض الذكريات التي تمتد بين حارات مدينة الدمام وبين أحياء جنيف ومقاهيها الرائعة. وخلال الأسبوعين اللذين أقمتهما في جنيف سنحت لنا الظروف باللقاء مرة واحدة في سكنه الذي يجمعه مع زميل آخر كلاهما يقيمان في نفس المدينة، كان لدي مخطط أن نخرج سويا لنرى المدينة بساحاتها وحدائقها وشوارعها الجميلة، ولكنه ولأن الطقس كان باردا بعض الشيء وفرص نزول أمطار كانت ممكنة، قررنا أن نقضي ذلك اليوم في السكن وكانت المفاجأة أن أعلن صديقي عن عزمه تجهيز كبسة سعودية كوجبة غداء احتفالا بمناسبة اللقاء. مر الجزء الأول من ذلك النهار بسلاسة في انتظار الكبسة وفِي التمتع بمناظر خلابة لبحيرة لاك دي ليمان السويسرية الساحرة، وفِي فترة ما بعد الظهيرة خرجنا للتنزه في قلب المدينة وأمضينا بعض الوقت في محل قهوة مشهور في المدينة العتيقة.

مر على ذلك اللقاء الذي كان خيرا من آلاف المواعيد سنوات أخرى حتى جمعتنا الظروف صدفة من جديد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبقي الاتصال مستمرا دون لقاء لسبب أن الزميل العزيز يقيم في المنطقة الشرقية وأنا أقيم في المنطقة الوسطى، وعلى الرغم من تعدد الزيارات إلى الدمام إلا أن الظروف والأقدار لم تتح لنا اللقاء إلا قبل أسابيع قليلة حيث كنت في زيارة برفقة العائلة إلى الدمام، وتذكرت دعوة كريمة من زميلي العزيز إلى مشروعه التجاري الأول والذي هو عبارة عن مطعم شعبي يهتم بتقديم الأطباق التراثية التقليدية بصورة عصرية للزبائن. وقررنا الأسرة وأنا زيارة زميلنا الفنان وصاحب الكبسات المميزة هذه المرة ليس في مقر سكنه ولكن في مشروعه التجاري، ولَم نجد صعوبة في الوصول إليه حيث إنه اختار موقعا مناسبا في أحد أحياء مدينة الدمام، المفيد وصلنا للمطعم المميز وغمرنا الرجل بكرمه وأعد لنا سفرة من اختياره، شملت تشكيلة من الأطباق الشعبية الأصيلة معالجة بطريقة عصرية ومقدمة بشكل راق جدا، والأهم من كل ذلك أنها تحتوي على الطعم والنكهة المميزة لأطباقنا العربية. ومما لفت نظري وزاد من إعجابي بمشروع صديقي العزيز أن صمم صالة تجهيز الطلبات في وسط المكان بحيث يستطيع من يجلس ليأكل مشاهدة العاملين في المطعم، والمفاجأة الأجمل أن كل الطاقم الذي يتولى إعداد الأطباق وتجهيزها للزبائن هو طاقم نسائي بالكامل من بنات الوطن اللاتي يعشقن هذه المهنة ويبدعن في أدائها. حتى إنهم كتبوا على الأوراق التعريفية بالمطعم أن العاملات هن بناتنا وأمهاتنا، وأخواتنا، وزوجاتنا.. صرح فتح أذرعه على مصراعيها لتحقيق أحلام السعوديات ممن يجدن في أنفسهن القدرة والكفاءة على التحدي، والنجاح، واكتساب الخبرة والتجربة في هذا المشروع الفريد الذي غمرنا صاحبه بكرمه وفتح لبنات الوطن نافذة يحققن عبرها أحلامهن، وأحلام الوطن.

زيارتي العائلية لن تكون الأخيرة وسأحث كل من أعرف لارتياد المكان الذي يبعث أجواء سعودية تراثية خالصة، ويقدم ثقافة الطعام السعودي في جملة من الأطباق الرائعة المتنوعة، والغنية، والتي تعيد للذاكرة، وللذائقة معاً، عبق الطعم، والطعام، حيث تتوفر أطباق الوجبات البحرية ويوجد بالتوازي وفرة في أطباق اللحوم والطيور، وكل ذلك يؤسس لذائقة سعودية خالصة في الأكل والإعداد والتقديم.