خليل الفزيع

هل فكرت يوما في تحديد موقفك من الآخر؟ لكن من هو الآخر، هل هو المختلف معك في أمر من أمور الحياة؟ أو هل هو أي فرد من غير أهلك وعشيرتك وقومك؟ أو هو ذلك الأجنبي الذي تملك يقينا راسخا حول أطماعه فيما تملك؟ أو هو ذلك العدو التقليدي الذي تؤكد مواقفه عدوانيته وظلمه ودمويته؟

أعتقد أن كلمة الآخر تعني أي شخص غيرك، مما يعني أن موقفك يختلف باختلاف هذا الآخر الذي تضطرك الظروف للتعامل معه شئت أم أبيت، وما عداك هو آخر بطبيعة الحال، وما عداك يتحدد موقفك منه حسب العلاقة التي تربطك به، وغالبا ما يكون هذا الموقف محكوما بقيمك ومبادئك وثقافتك، ومهما اقتربتْ أو ابتعدتْ مسافة علاقتك بالآخر، تظل هناك مسافة لا يمكن تجاوزها في هذه العلاقة، حتى وإن اشتدت الخصومة بينكما؛ لأنك لن تستطيع الخروج من جلدك، لتلبس جلدا جديدا يتناسب مع موقفك من هذا الآخر، نعم قد يتغير سلوكك الآني المحكوم برد فعلك تجاه تصرفه، لكنك في النهاية تعود إلى طبيعتك الخيرة أو حتى السيئة؛ لأن الطبع يغلب التطبع، والبراءة المقنعة لا تدوم؛ لأنها مقنعة وهو قناع مهما كانت قوته لن يلبث أن ينصهر أمام حرارة شمس الحقيقة.

وطبيعة الحال أن الإنسان لا يمكن أن يقف مكتوف الأيدي أمام تجاوزات الآخر، لكنه في النهاية محكوم في رد فعله حال ذلك بمنظومة القيم الراسخة في وجدانه، حتى وإن حاول الخروج عليها، فلا بد أن يعود إليها أو هي تعود إليه لتطغى على أي تصرف يناقض أخلاقه وسلوكه وطبيعته، ولأن كل إناء بالذي فيه ينضح، فليس كل الناس يملكون قيما إنسانية مسالمة، فمنهم الحسن ومنهم السيئ، وبالتالي فإن ردود فعل أي إنسان محكومة بطبيعته، وما يتحكم فيها من أخلاق توجهه للخير أو للشر، وتحدد موقفه تجاه الآخر عدلا أو ظلما، لكن الحديث عن الناس الأسوياء هو الطريق الذي لا يليق الخروج من مساره، بعد أن استطاع الإنسان أن يقوم نوازع الشر في نفسه، ويتغلب على الإغراءات التي قد يتعرض لها لتقوده إلى طرق أخرى تتنافى مع إنسانيته وحبه للخير وإيمانه بالتفاؤل والأمل.

لكن ليس شرطا أن تكون مواقف الإنسان هي ردود فعل لمواقف غيره، وقد يبدأ هو بموقف جديد، وكما أن (البادئ أظلم) في حالة الشر، فكذلك (البادئ أرحم) في حالة الخير، وهو الأمر الذي لا يلتفت إليه أولئك الذين لا يرتاح لهم بال ولا يستقر لهم قرار، إلا بالتفكير في إيذاء غيرهم بمختلف أنواع الإيذاء دون التفكير فيما قد ينجم عن ذلك من أضرار الله وحده يعلم بها، وربما تفاقمت لتكبر وتتسع دائرتها فتشمل الأبرياء ممن لا ناقة لهم ولا جمل في كل ما دار ويدور بين الناس، والذين جبلوا على الشر لابد أن يحصدوا ثمار ما يزرعونه من شقاق وخلاف وفتن، وهي ثمار ضارة وربما سامة هم في النهاية أول ضحاياها، ومن يدفعون ثمنها الباهظ من إنسانيتهم المذبوحة على صخرة الطمع والأنانية.

موقف الإنسان من الآخر إن لم يكن إنسانيا وواعيا ومعبرا عن أخلاق كريمة، فإن كل الطرق ستصبح مسدودة أمامه إن أراد في ما بعد تعديل مواقفه، لأنه نسف كل الجسور التي تتيح له العودة إلى الصواب، وإن تعلو نبرة الخطاب بينك وبين من تختلف معه قريبا أو غريبا، فذلك يصعب فرصة الحوار بينك وبينه، وما يحكم سلوكك هو أخلاقك وقيمك.. نفسك الأبية، وهدفك النبيل، وبقدر سمو الهدف.. تأتي النتائج مثمرة بالخير والسلام.