فهد سعدون الخالدي

عند الحديث عن التفكير وأنواعه يبرز الحديث أيضاً عن حفظ المعلومات وتذكرها، ولذلك فإن الحفظ وهو نوع من التفكير أصبح سائداً في مدارسنا حتى غلب حفظ المحتوى المدرسي واختبار المعلومات، التي يتضمنها ومعرفة جودة حفظ المتعلمين لهذه المعلومات على طرق التعلم والتقويم، التي نستخدمها لمعرفة نتائج عملية التعلم وهي التي غلب عليها أيضاً الاختبار، الذي يقيس المعلومات فقط ولا يعنى حتى في أغلب الأحيان على مدى توظيف هذه المعلومات في الحياة اليومية وهو الغاية، التي أثبتت التجارب التربوية في كل مكان أنها الأهم في عملية التعلم؛ لأنها تعد الطالب للحياة وممارستها، ولعل سبب شيوع هذه المفاهيم في التعلم والتقويم هو حاجتنا إلى المعلومات كي نفكر من خلالها، فالتفكير بأنواعه المختلفة والإنسان بكل مراحله العمرية بحاجة إلى المعلومات كي يفكر. ولما كانت المعلومات في هذا الوقت متاحة بوسائل مختلفة من خلال الشبكة العنكبوتية والأجهزة الإلكترونية، إضافة إلى المصادر التقليدية من الكتب والمراجع وغيرها، فقد غدونا أكثر حاجة إلى أنواع أخرى من التفكير كالتفكير الإبداعي والتفكير الناقد، اللذين يظلان أيضاً بحاجة إلى المعلومات، التي أصبح الوصول إليها واستدعاؤها أكثر يسراً وأسهل منالاً. وهنا لابد من الاعتراف بالحقيقة، التي تقول إن حديثنا عن هذه الأنواع من التفكير هو أكثر بكثير من سعينا لجعلها عادة لدى أبنائنا وطلبتنا مما يستدعي أن نبذل مزيدا من الجهود لجعلها مهمة أساسية لمدارسنا، بل لمؤسساتنا التعليمية على كل مستوياتها سواء في التعليم العام أو التعليم الجامعي، بل إن أمكن في تعامل الأسرة وتربيتها لأبنائها وهي مهمة أكثر صعوبة؛ لأن جيل الآباء والأمهات لم يتلق هذا النوع من التعليم حتى يكون قادراً على الاستفادة منه في تربية أبنائه. ولعل أهمية طرق التفكير، التي نتحدث عنها وهي التي لا نختلف أن البرامج المدرسية لم تعطها الأهمية، التي تستحقها إن لم نقل أنها أهملتها لفترة طويلة هذه الطرق من التفكير تكمن أهميتها فيما يسمى سؤال النفس أي يسأل الطلبة أنفسهم حول المعلومات، التي حفظوها؛ لأن سؤال النفس كما يؤكد علماء التربية والنفس هو سؤال أساسي لتكوين الروابط والعلاقات بين المعلومات الجديدة، التي يتلقاها الفرد والمعلومات المخزونة في ذاكرته أي في دماغه وكلما قلت الأسئلة، التي يسألها الفرد لنفسه حول هذين النوعين من المعلومات، قلت الروابط التي يكونها الدماغ بينهما. ولما كانت عملية سؤال النفس هي عملية أثبتت الدراسات والأبحاث والتجارب أنه يمكن تعلمها وتعليمها أيضاً، فإن ذلك يجعل من الممكن تعويد المتعلمين سؤال النفس وهو مطلب أساسي لفهم المعلومات والتفكير فيها بشكل تحليلي وناقد وإبداعي أيضاً، وهو المطلوب للانتقال بالمتعلم من التفكير التقليدي، الذي يعنى بالحفظ والتذكر إلى مستويات التفكير العليا، التي يكثر الحديث عنها وتقل العناية بها عن هذا الحديث كما قلنا، ولتبسيط الأمر وتوضيحه يمكن القول إن ما يجري في الدماغ عن الحديث عن سؤال النفس هو تماماً ما يتم في جهاز الكمبيوتر، حيث إن معالجة البيانات في هذا الجهاز مثل البرامج، التي يتم استخدامها سواء للهجاء أو الإحصائيات والحساب تتكون من سلسلة متصلة من الأسئلة القصيرة، التي يتم نقلها إلى الذاكرة، فنحن نسأل أنفسنا هذه الأسئلة القصيرة بشكل سريع، وإن كنا لا نعي أو نتعمد توجيه هذه الأسئلة لأنفسنا عندما نفكر بطرق مختلفة، فهناك مجموعة من الأسئلة نوجهها لأنفسنا بسرعة وبلا وعي عند رغبتنا في تمييز المعلومات المهمة في موضوع معين عن المعلومات الأقل أهمية، بل حتى عندما نريد تهجية كلمة إملائية صعبة وهكذا.. وتتباين بالطبع نوعية هذه الأسئلة وكميتها من إنسان إلى آخر وهو ما يميز، الذين يمتلكون مهارات التفكير الإبداعي والتحليلي والناقد عن غيرهم؛ لأن الناس الذين لديهم القليل من هذه الأسئلة يجدون صعوبة في التمييز بين الحقائق والآراء.. باختصار الاعتناء بزيادة قدرة المتعلم على سؤال النفس هو الطريق الأكثر أهمية في الانتقال إلى مستويات أعلى من التفكير، ويبقى أن يعطى ذلك الأهمية التي تستحق.