هناء مكي

باتت الساعات التي نقضيها في الشارع أكبر بكثير من تلك التي نقضيها في إنجاز مهمة واحدة أو تأدية وظيفة، بل هي اليوم قد تكون سببا في استنزاف الصحة والسلامة النفسية، مع كثرة الازدحامات المرورية الخانقة التي تضج بها شوارعنا بالذات الحيوية منها وفي وقت الذروة.

فإذا ما وصلنا إلى مكان العمل أو الخروج إلى المكان الذي نريده بخير فإنه في الغالب يستهلك الطريق الكثير من الوقت والجهد والمزاج، وأحيانا يستهلك قوتنا إما في الانتظار عبر صفوف السيارات على الطريق الواحد أو في التعامل مع أخلاقيات السائقين التي باتت سببا في سلبنا السلامة الجسدية والنفسية على الطريق في الغالب.

وفي دراسة أُعدت في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية (أكثر دول العالم ازدحاما) عام 1997 جاء فيها أن السيارات ستملأ أكثر من 90% من أي توسعة إضافية على حجم الطرق في أقل من خمس سنوات، فكلما زادت بنية الطرق الجديدة جذبت المزيد من الزحام إليها. ومنذ الألفية ونحن في ازدهار عمراني وبناء طرق جديدة، وفعلا كلما فتحت طرق جديدة زاد الازدحام، والملاحظ أن تلك الطرق تُبنى بكيفية السنوات السالفة ولا تتماشى مع العصر من حيث تغير الفئات والأمزجة وحتى نوعية السيارات الآخذة في «العملقة» والتي تحتاج لطرق أكثر سعة، ولشوارع أكبر ولنظام مروري مستحدث يتماشى مع هذه النوعية من السيارات الكبيرة التي لا تستوعبها شوارعنا الضيقة حتى الجديدة منها ولا الأرصفة ولا مواقف السيارات ولا خطط السير العامة.

الازدحامات، تعد اليوم أحد المؤشرات السلبية على الاقتصاد وليس الفرد فقط، ويؤكد تقرير عن تحليل المخاطر أعدته جامعة هارفارد في 2014، أن الاختناقات المرورية في الولايات المتحدة الأمريكية مسؤولة مباشرة عن حالة وفاة مبكرة حصلت في العام 2010، لنحو 2200 شخص هناك، وكانت هذه الاختناقات سببا في استنزاف ميزانية الدولة بنحو 18 مليار دولار تذهب على الصحة العامة، وهذه الحقيقة يجب الانتباه إليها جيدا.

وأما اقتصاديا، فإن تلك الازدحامات التي تهدر أكثر من 40 ساعة للفرد الواحد سنويا في أمريكا يقضيها في الشارع، تسببت في تأخير حمولات البضائع المشحونة، بل الدراسة تؤكد أنها تهدر أكثر من 121 مليار دولار في الوقت والوقود الضائع.

ونحن في بلدان تدعم الخدمات العامة والوقود وتستقطب الاستثمارات الأجنبية، لكم أن تتصوروا حجم خسائرنا تلك، فقط في هدر الأموال على الخدمات والوقود والصحة.

أتصور ونحن نذهب إلى العام 2020 لم تعد جدوى مشاريع البنى التحتية والعمرانية وحدها فعلا مجدية، ويجب علينا أخذ العديد من المشاريع المتطورة كتقنية الاصطفاف الذكي التي تم استخدامها في الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض البرامج التقنية التي ساهمت في حل الازدحامات الخانقة، يجب أن نضع حلولا مناسبة للوقت.