د. فالح العجمي

نتناول في هذا الجزء العناصر الرئيسة، التي تجعل التعليم معاصرا، والمستفيدين منه قادرين من خلاله على صقل مواهبهم في التعامل مع متغيرات الحياة، كما يجعلهم مكونات بناء في المجتمع، خلافا للتعليم الرديء، الذي يكون خريجوه عالة على مجتمعاتهم. أول هذه العناصر: الفهم وتعلم أسباب الأشياء، فالاعتماد على التخزين في الذاكرة واسترجاع المعلومات منها كان يصلح في زمن كانت فيه عجلة التغيير في المعرفة بطيئة جدا. أما الآن، فإن سرعة التغيير تجعل الاعتماد على الذاكرة مستحيلا، وضعيفا في تكوين المهارات اللازمة للتعامل مع تعقيد تدفق المعرفة وتشابك خيوطها. وحالما يكون المتعلم قد أدرك المعلومة وحفظها، تكون المعلومة نفسها قد أصبحت قديمة، ويتوجب عليه تحديثها.

العنصر الثاني: التركيز على مناهج التعليم التي تطور الذكاء وتوسع قاعدة الموهبة، وذلك عن طريق تهيئة الأفراد لمعايشة الجديد في كل مرحلة من مراحل حياتهم، وتخيّل العوالم الجديدة التي لا تتطابق مع المعايير التي يعرفها في المرحلة الراهنة، مما يجعلهم مستعدين للتعامل مع كل الوقائع الجديدة التي قد يصادفونها. لكن كيف نعلّم الذكاء؟ في الواقع أن الذكاء يُتعلّم من خلال زيادة جرعة التفكير النقدي المحفز لدى المتعلم، ودفعه إلى الشك في طرق تفكيره الذاتية، ومساعدته على فتح عينيه وعقله، بدلا من تسليم نفسه للتعليمات الصادرة إليه من الخارج. وبذلك يكون محصنا من الابتزاز، أو الوقوع في فخ شبكات الإرهاب، وعصابات ترويج المخدرات، وغيرها من الجماعات، التي تبحث عن ضحاياها بين أصحاب الهوائيات المستقبِلة غير المفلتِرة، كما وصفها أحد علماء اجتماع الجريمة. وفي شأن قيمة الشك في تاريخ البشرية، نورد مقولة شائعة لأمبروس بيرس: «الشك هو أبو الاكتشافات»، وكذلك المثل اليوناني: «مَنْ لا يشك، لا يعرف»، حيث إنه طالما هناك شك، فهناك بحث، وطالما هناك بحث، فهناك طريق للاكتشاف.

العنصر الثالث: البحث عن طرق الإبداع، المتمثل في البحث عن الروابط بين الأشياء المختلفة، التي لم يعتد المرء على سماع الارتباط بينها، وعدم الرهبة من تجشم عناء تتبع الخيوط الضعيفة، التي تقود إلى الإبداع في الأفكار والتطبيق، ثم العمل على تقوية قاعدة الموضوعات ذات الأولوية في الاهتمام. وهذا العنصر مهم في مؤسسات التعليم لتنمية طموح الأطفال في التعرف على مدى واقعية أحلامهم. وهنا يكون الدور الكبير منوطا بالمعلمين أو أساتذة الجامعات أكثر من التلاميذ في المدارس أو الطلاب في الجامعات، وربما يصدق على دورهم في هذا الشأن ما سبق أن عبّر عنه برتراند راسل بقوله: «المعلمون، أكثر من أي فئة أخرى من المهن، هم حرّاس الحضارة».

العنصر الرابع: زرع الثقة في النفس عند المتعلمين، وربما كان هذا المبدأ شائعا عند اليونان القدامى، وهو معروف من منهج المعلم الأول سقراط، الذي شاعت عنه عبارة: «اعرف نفسك!»، التي كان يوجهها إلى كل تلاميذه، من أجل أن يستخدموا طاقاتهم فيما يمكنهم الوصول إليه. وفي هذا الشأن يتوافر للمتعلم الاهتمام بالجانبين الخارجي والداخلي، فالجانب الخارجي هو ما تقوم به كثير من النظم التعليمية في العالم الحديث من تدريس العلوم، والتعامل مع التحديات المهنية في المراحل المتأخرة. أما الجانب الداخلي، فيُعنى بملء نفس المتعلم بعناصر الجمال وجوهر شروط الكرامة الإنسانية. وفي الجزء الأخير نتعرض لدور التقنية في التغيير.