سالم اليامي



قرأت لأحد المتداخلين في صحيفة إلكرتونية رأيا مقتضبا حول الوضع في البلاد الليبية وكان على النحو التالي «إشكالية استمرار الثورة وتأجيل الدولة، هي ما فاقم الأزمة الليبية، وجعلها تدور في دوامة الفوضى، التي لها الكثير من البواكي، ممن يرغب في استمرار ديمومة الفوضى لاستمرار نهب أموال ليبيا دون رقيب أو حسيب» وهذا الرأي الصريح الصادم عاد بي إلى أسس في عملية الصراع الليبي للتذكير فقط بأن جزءا كبيرا من الذي يحدث على الأرض الليبية هو عبارة عن صراع على السلطة والثروة، الصراع هنا بمعنى المغالبة وفرض القوة والأمر الواقع على الأخير وإدارتهم بتسليم وسلطان يمتلكه من يدير السلطة والنظام بين الناس، بين حالة صراعية يمثلها أطراف وفاعلون داخليون كجماعات بشرية أو تنظيمات حزبية أو مناطقية على سبيل المثال. وكل ذلك يعود بنا على مطلع العام 2011م حيث قامت الثورة الليبية أو ما بات يعرف بثورة السابع عشر من فبراير التي أعلنت نفسها في مواجهة نظام معمر القذافي الذي شغل المشهدين السياسي والاجتماعي على مدى أربعة عقود. عندما خرج الناس في المدن والأقاليم الليبية على سلطة القذافي تمخض عن ذلك الخروج والعصيان أمران مهمان هما: الأول إعلان المجلس الانتقالي المؤقت كواجهة جديدة تمثل الشعب الليبي وأنه ليس حكومة مؤقتة بل هو ممثل شرعي ووحيد لليبيين المطالبين بالحرية والخير والنماء والمشاركة في سلطة بلادهم وخيراتها.الثاني وكان الإعلان الدستوري المؤقت وهو كخارطة طريق ينير لليبيين دروب السياسة والاقتصاد والإدارة العامة. وانتخب لهذه المجالس من الكفاءات الوطنية المعروفة من يقوم على حسن إدارتها. هذه البداية المشجعة نظريا وتنظيميا للأسف لم يكتب لها النجاح الكبير وبقيت الشؤون الليبية تراوح مكانها وحاول المجتمع الدولي التخفيف من حدة الانقسام وذلك بتعيين مبعوثين للأمين العام للأمم المتحدة للمساهمة في حل الأزمة وتخفيف آثار الانقسام بين الناس حول السلطة والثروة فبلغ عدد المبعوثين الدوليين إلى ليبيا ستة مبعوثين وهو أكبر عدد من المبعوثين ترسلهم الأمم المتحدة لحل نزاع واحد ويبدو أن الأمم المتحدة ومبعوثيها لم يحالفهم النجاح في حل الأزمة هناك، الشيء الآخر الذي قام به المجتمع الإقليمي والدولي هو عقد مجموعة من اللقاءات والمؤتمرات خاصة بمقاربة ودراسة الوضع الليبي بغية الوصول إلى حل يرضي كل الأطراف ولكن للأسف لم يتحقق الشيء الكثير من ذلك رغم أن أشهر ثلاثة لقاءات كانت لقاء الصخيرات أو اتفاق الصخيرات الذي أنتج حكومة ما يعرف بالوفاق التي تسيطر على المنطقة الغربية، ثم لقاء باليرمو في إيطاليا، ومؤتمر أو لقاء باريس، هذه الملتقيات تضاف إلى عدد كبير من اللقاءات الإقليمية والداخلية التي جمعت الليبيين ولم تفلح في زحزحة الحالة إلى الأمام. حتى قيل إن بعض هذه الملتقيات التي حضرها مبعوثون على مستويات عالية لم تفلح في جعل أطراف الصراع الليبي المدنيين والعسكريين تتصافح مجرد مصافحة بالأيدي. الحديث عن هذا الشأن في تقديرنا لا يتم بدون تذكر أمرين مهمين هما: من هي أطراف الصراع، وما هي السيناريوهات المحتملة، من حيث أطراف الصراع فهي كثيرة ويمكن تقسيمها لشرح النظري إلى قسمين الأول القوى المسيسة والتي تقف كواجهات اجتماعية ومناطقية مثل: حكومة الوفاق، وحكومة الإنقاذ، والحكومة المؤقتة، ومجلس النواب. ثم هناك العشرات من مجالس الشورى المدنية والعسكرية التابعة لكل قرية ومدينة وناحية. المصيبة الكبرى مع مرور هذه السنين أن الكل ينضوي تحت مظلة الثوار التي لم يعد يعرف لها حدود اليوم وهي قابلة على امتصاص أعداد كبيرة وجديدة بمجرد أن يكون لدى من يكون ثائرا سلاح يقارع به الآخرين.

سيناريو الفوضى هو سيناريو ثورة لا تهدأ ولا تتحول إلى دولة، وهذا الذي يحدث إلى حد كبير في البلاد الليبية اليوم.