د. محمد حامد الغامدي

قلت إن لدي تفسيرا جديدا لظاهرة الجلاميد الصخرية المنتشرة، وبشكل عشوائي، في سفح جبل شدا الأعلى. نوهت عن هذا في مقال سابق بعنوان: [جلاميد بيئة جبل شدا الأعلى (6)]، بتاريخ (الأربعاء 8 / 5 / 2019). وكان الدكتور (قشاش) قد قدم لشخصي تفسيرا لهذه الظاهرة، لكنه لم ينل قناعتي الكاملة.

كان ملخص قوله، أنها كانت محمولة بكتل الثلج في العصر الجليدي. حيث توحلت إلى ما يشبه السفن. ورست بها الأقدار في أماكنها الحالية، وذلك بعد ذوبان الجليد. وقد شاهدت برنامجا وثائقيا في إحدى القنوات التلفزيونية العالمية يقول بهذا في مواقع مشابهة من العالم.

التفسير السابق غير مقنع لشخصي. فهناك بنفس منطقة الباحة، وحول جبل شدا الأعلى، جبال أعظم ارتفاعا، وصخورها ثابتة في مكانها، كجزء من جسم الجبل، رغم تعرضها لنفس الظروف المناخية والبيئية عبر تاريخ العصر الجليدي. لماذا لم تتحرك صخورها بسبب الجليد؟ لماذا جبل شدا بالذات؟ الأسئلة حركت فضولي للبحث عن إجابة. وقد وجدتها. ورأيت أن أطلعكم عليها، في هذه السلسلة من المقالات.

توصلت إلى تفسير نابع من معطيات علمية حديثة مطروحة عن المنطقة وتاريخها الجغرافي. معطيات عليها جدل. أصحابها علماء لهم شأن علمي لا يستهان به. بغض النظر عن الخلافات العلمية التي أحدثتها، بين العلماء، وبين رجال التاريخ والجغرافيا. هناك معارض ومؤيد.

وقد وضعت كتابا حول هذه القراءات الجديدة للتاريخ الجغرافي لمنطقة جنوب غرب المملكة. بعنوان: (رأي وتساؤلات). صدر خلال هذا العام (1440/2019). حمل أكثر من (300) تساؤل. وذلك عن: مكان حياة نبي الله إبراهيم وذريته، وحقيقة موطن أحداث قصص موسى عليه السلام وعدوه فرعون، وأيضا مكان (طور سنين)، وأخبار قبيلة بني إسرائيل العربية البائدة. جميع الأطروحات الجديدة، تؤكد أن مسرحها كان في منطقة جنوب غرب المملكة.

مع تلك الأطروحات الصادمة للبعض.. أحمد الله بأن تخصصي خارج تخصص التاريخ الجغرافي؛ لأن ذلك يعطيني حرية الإبحار في التحليل والاستنتاج، دون قيود وخوف ورهبة. كل سلاحي هو القراءة.. والتفكير.. والتساؤلات.. والتحليل.. والاستنتاج.. والتأمل. هناك معلومات مطروحة. فأصبحت مهمتي الربط بينها. عملت لتلاقح أفكارها. غصت في أعماقها. لكنني لم أغرق.

من حقي استنتاج ما أراه.. لأنها أطروحات علمية.. حتى وإن كانت خارجة عن المألوف والمعروف.. لا أدعي صحة المعلومات، أو الإيمان بها. فذلك يعود إلى أصحاب التخصصات. لكن أدعي بأن استنتاجاتي صحيحة، وفقا لتحليلي الشخصي لهذه المعلومات.

لست مجبرا برفض نتائج الدراسات لأنها تخالف أخرى. إن الصراع يكون بين المتخصصين أنفسهم، وفقا لمصادر معلوماتهم الموثقة. فكل فريق يستند إلى مصادر ونظريات. لكني كقارئ أستطيع أن استنتج أشياء جديدة من خلال ما ذهبوا إليه.

ولأني باحث أستطيع التحليل والاستنتاج، وفقا للمعلومات المطروحة. أيضا يستطيع أي قارئ القيام بنفس الدور. الفرق أن الباحث يملك أدوات علمية قد لا تتوفر لغير الباحث. هناك خبراء لا يملكون درجات علمية.. يملكون أدوات إبداعهم الخاصة.. بدرجة تفوق الباحثين العلميين في بعض التخصصات.

ذلك الشرح إعلان بتخلصي من شرنقة المحاذير. هذا ينقلني إلى عالم أكثر رحابة.. دون خوف وخشية.. من أي اتهام.. بأني حشرت نفسي في شيء لا يخصني. أملك العقل. أملك التفكير. أملك التحليل. أملك الاستنتاجات. أملك أدوات الربط التي تقود وتوجه. هذا يعني أنني أقود ثورتي المعرفية بنفسي. معلوماتي الموثقة منافع أسعى لتوظيفها. وللحديث بقية.