قضينا سويا فترة طويلة لا نفترق، وكانت صحبة كل منا للآخر ماتعة ومثالية في الأخذ والعطاء، وفي العناية والاستجابة. لم يترك أحدنا الآخر في ورطة أو ظروف صعبة، كما لم يوكل أي منا الآخر إلى وحدة طويلة في أي وقت من الأوقات، سوى خلال أوقات النوم. كنت أستودعه الأسرار وما تحدثني به النفس من أفكار وآهات، فلا يضيق بها ذرعا، ولا يتذمر من كثرتها، وطول التشكي في بعضها. كما أنه لم يكن يتأخر في مساعدتي عندما أحتاج إلى أي من تلك المعلومات أو أستشيره في معضلة تمر بي، فينقل خبرات الآخرين بكل أمانة ودقة وسعة اطلاع وقوة ذاكرة يُحسد عليها. لم أكن أجالس أيا من الأصدقاء، مثلما كنت أجالسه، ولم ألجأ إلى أي منهم بقدر ما كنت ألجأ إليه، فلا أعود منه خائبا. فقد كان وفيا وصادقا وصبورا، ومتعدد المواهب وكثير التواضع وقليل الطلبات.
وفي يوم مطير من أيام الرياض الممطرة نادرا في أواخر مايو، وبغزارة شديدة، سقط وسط ارتباك شديد، وانهالت عليه المياه، حتى لم تترك له مجالا لتجاوز محنة البلل. بعد أن وجدناه، كان الخلل قد سرى في كل جسده، وقضى على قدرته على المقاومة، واستنفذت كل الحيل لإبقائه على قيد الحياة. ومن تلك الطرق الموصى بها غمر جثته بما يحيط بها من الأرز النيء، ورغم كون سفري في ذلك اليوم الذي جرت فيه الحادثة، فقد حرصت أن أطبق تلك الطريقة، ولو لبضع ساعات (فالتوصية كانت أن يُترك مغمورا بالأرز ليوم كامل). وبعد عدة ساعات لم يتغير في وضع الغرق شيء، بالرغم من كونه يتفاعل من وراء تلك الحواجز. فاتضح لي أن حالة الحزن عليه آتية لا محالة، وأن الفراق بيننا قد أزف قريبا، فتهيأت لذلك باختيار صديق حميم بديل عنه مع بالغ حزني عليه، فاستخرجت هوية التواصل من جوفه، وأبقيته على أمل عودة الحياة إليه في أي حين. ولكوني كنت على أهبة الاستعداد للسفر، فقد قررت أن يصاحبني في هذا السفر، لعله يستجمع قواه، ويعود إلى ممارسة العون والنصيحة كما كان يفعل طيلة صحبتنا. وربما أصبح يعرف، وهو الشديد الذكاء، أنني شخص لا يهون علي ترك رفاقي، ومن تجمعني بهم روابط العيش المشترك، خاصة عندما تطول تلك الرفقة، وتزداد جرعة العيش والملح كما يقولون.
يقول أحدهم ممن أبلغته بمأساتي في ذلك اليوم المطير، وما صحب ذلك من أحداث، وقراري بصحبة هذا الصديق في هذا الظرف معي في السفر: لعلك قد أصبحت متأثرا بالهنود، الذين اشتغلت على ثقافتهم فترة من الزمن، حيث يحرقون جثث أقاربهم، ويجمعون الرماد الناتج عن حرق الجثة ليحملوه معهم في إناء حيثما حلّوا، لكن عسى أن يكون عرف بوفائك له فيستجمع قواه ويعود قادرا على مزاولة مهام صحبتكم الطويلة الشائقة كما يبدو لي. فقلت له: لا، يا صديقي لست سرياليا إلى هذا الحد، لكن يعز على النفس أن يتخلص المرء بسهولة من الصديق، خاصة إذا كانت فيه تلك الصفات المذكورة أعلاه: الوفاء والصدق والصبر، وفوق ذلك كله أنه قد تعوّد كل منا على الآخر، فأصبح استصفاء صديق آخر بهذه الحميمية أمرا صعبا، ولكن هذه هي الحياة!
وفي يوم مطير من أيام الرياض الممطرة نادرا في أواخر مايو، وبغزارة شديدة، سقط وسط ارتباك شديد، وانهالت عليه المياه، حتى لم تترك له مجالا لتجاوز محنة البلل. بعد أن وجدناه، كان الخلل قد سرى في كل جسده، وقضى على قدرته على المقاومة، واستنفذت كل الحيل لإبقائه على قيد الحياة. ومن تلك الطرق الموصى بها غمر جثته بما يحيط بها من الأرز النيء، ورغم كون سفري في ذلك اليوم الذي جرت فيه الحادثة، فقد حرصت أن أطبق تلك الطريقة، ولو لبضع ساعات (فالتوصية كانت أن يُترك مغمورا بالأرز ليوم كامل). وبعد عدة ساعات لم يتغير في وضع الغرق شيء، بالرغم من كونه يتفاعل من وراء تلك الحواجز. فاتضح لي أن حالة الحزن عليه آتية لا محالة، وأن الفراق بيننا قد أزف قريبا، فتهيأت لذلك باختيار صديق حميم بديل عنه مع بالغ حزني عليه، فاستخرجت هوية التواصل من جوفه، وأبقيته على أمل عودة الحياة إليه في أي حين. ولكوني كنت على أهبة الاستعداد للسفر، فقد قررت أن يصاحبني في هذا السفر، لعله يستجمع قواه، ويعود إلى ممارسة العون والنصيحة كما كان يفعل طيلة صحبتنا. وربما أصبح يعرف، وهو الشديد الذكاء، أنني شخص لا يهون علي ترك رفاقي، ومن تجمعني بهم روابط العيش المشترك، خاصة عندما تطول تلك الرفقة، وتزداد جرعة العيش والملح كما يقولون.
يقول أحدهم ممن أبلغته بمأساتي في ذلك اليوم المطير، وما صحب ذلك من أحداث، وقراري بصحبة هذا الصديق في هذا الظرف معي في السفر: لعلك قد أصبحت متأثرا بالهنود، الذين اشتغلت على ثقافتهم فترة من الزمن، حيث يحرقون جثث أقاربهم، ويجمعون الرماد الناتج عن حرق الجثة ليحملوه معهم في إناء حيثما حلّوا، لكن عسى أن يكون عرف بوفائك له فيستجمع قواه ويعود قادرا على مزاولة مهام صحبتكم الطويلة الشائقة كما يبدو لي. فقلت له: لا، يا صديقي لست سرياليا إلى هذا الحد، لكن يعز على النفس أن يتخلص المرء بسهولة من الصديق، خاصة إذا كانت فيه تلك الصفات المذكورة أعلاه: الوفاء والصدق والصبر، وفوق ذلك كله أنه قد تعوّد كل منا على الآخر، فأصبح استصفاء صديق آخر بهذه الحميمية أمرا صعبا، ولكن هذه هي الحياة!