خالد الشنيبر

«أكثر من 3 ملايين وظيفة مهددة بالزوال»، «الذكاء الاصطناعي يقضي على الوظائف البشرية»، «الذكاء الاصطناعي يوفر 58 مليون وظيفة بحلول عام 2022»، «وظائف اليوم تختفي غدا»، «84% من الرؤساء التنفيذيين بالمملكة يرون أن الذكاء الاصطناعي سوف يخلق وظائف أكثر من الوظائف التي سيقوم بإلغائها»، «63% من التنفيذيين في الموارد البشرية بالمملكة يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيكون سببا في إلغاء بعض الوظائف أكثر من الوظائف التي سيخلقها».

كل ما تم ذكره أعلاه هو تباين لرؤوس أقلام لدراسات واستطلاعات عن تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل سوق العمل، وهذا التغير المستقبلي بدأ الاهتمام فيه العديد من الدول المتقدمة منذ سنوات، فهل تحركنا بشكل جاد لهذا التطور المستقبلي؟.

في البداية من المهم أن أوضح نقطة مهمة وهي أن تركيبة سوق العمل تختلف من اقتصاد لآخر، وبمعنى أوضح عند نجاح تطبيق توجه على سوق عمل إحدى الدول فلا يعني ذلك نجاح تطبيقه عند استنساخه في دولة أخرى، والمتغيرات الاقتصادية العالمية يختلف مدى تأثيرها على اقتصاد الدول وفقا لتركيبتها الاقتصادية، ولا يعني ذلك تعميم التأثير السلبي على الجميع.

بعد إطلاعي على كثير من التقارير والدراسات المعنية في هذا الموضوع، وكوجهة نظر شخصية أرى أن الوظائف «تختفي أو تولد» مع مرور السنوات وفقا للتطورات التكنولوجية على الصعيد العالمي، ولا يمكن لأي اقتصاد أن يحافظ على مستوى عدد الوظائف أو نوعيتها في سوق العمل أو حتى زيادة عددها دون وجود مركز يعمل على التنبؤ بالتطور المستقبلي للوظائف.

لأي وظيفة نوعان من المهارات المطلوبة لشغلها، فهناك مهارات ناعمة «Soft Skills» ومهارات صلبة «Hard Skills»، ولتوضيح الفرق بينهما نجد أن المهارات الناعمة هي المهارات والقدرات التي يمتلكها الفرد وتساهم في تطوير ونجاح الجهة التي سيعمل لها، أما المهارات الصلبة فهي التي تتسم بثبات قواعدها وبنيتها الأساسية وتتمثل في الخبرة والمؤهلات، ومستوى تلك المهارات يختلف من وظيفة لأخرى ويعتمد على التدرج الوظيفي، ولذلك لا أرى أي تخوف من تأثير تطور الذكاء الاصطناعي في الدول النامية طالما هناك اهتمام أكبر في «تطوير العنصر البشري»، وبمعنى آخر أرى أن الوظائف مستقبلا ستزداد عددا مع اختلاف «نوعيتها» فقط، وسيكون نجاح ولادتها يعتمد على المهارات الناعمة بشكل أكبر من المهارات الصلبة، ولا يعني ذلك التقليل من أهمية المهارات الصلبة.

المملكة منذ 3 أعوام وهي في تحولات اقتصادية كبيرة، ومن الضروريات القصوى وجود «مركز وطني» مختص في متابعة التحول المستقبلي للوظائف وتأثيره على سوق العمل، ومن المهم أن يتم البدء في إنشاء هذا المركز ويتم التنسيق مع وزارة العمل في قرارات التوطين التي تعمل عليها حتى لا يكون هناك خلل بعد عام 2020م في مؤشرات البطالة، فالأتمتة بدأت بالدخول القوي بالسوق السعودي في آخر 3 سنوات، ومن المهم تدارك أي تضارب قد ينشأ بينها وبين الدفع بالتوظيف في «الوظائف التكميلية» التي تركزت عليها قرارات التوطين في الفترة السابقة والتي قد تقضي الأتمتة على تواجدها.

من سيبقى هو الإنسان حتى ولو اختفت الوظائف والثروات المعدنية، وهنا الحكمة التي لمسناها من سيدي سمو ولي العهد عندما قال إن الثروة البشرية هي أهم ثروة بالمملكة والتي لا يضاهيها وجود أي ثروة أخرى، ولذلك الاعتماد المستقبلي الذي ينبغي التركيز عليه مستقبلا هو تطوير «مهارات» الثروة البشرية ابتداء من مرحلة التعليم وبشكل مستمر، ووجود «مركز وطني» مختص في متابعة التحول المستقبلي للوظائف.

ختاما: منذ مئات السنوات ونوعية الوظائف تختلف مع مرور الزمن، وهذا أمر لا نختلف عليه ولا يحتاج للتهويل، والأهم من ذلك هو الاعتماد بشكل مستمر على تطوير مهارات الثروة البشرية بشكل أكبر حتى تكون قادرة على التكيف مع أي متغيرات تطرأ على نوعية الوظائف في سوق العمل، وكل ما يتم ذكره من استنتاجات حول تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل فهو أمر ليس بالجديد أبدا.