لمي الغلاييني

بالرغم من أن سلوكيات تدمير الذات هي مشكلة بشرية عالمية، لكنها لا تحظى بتركيز الكثير من المختصين، فكثيرا ما نتبنى ممارسات مزعجة لنا ولا نملك السيطرة عليها أو كبح جماحها، ومع اعتبارنا لها كأكبر مصدر للاستنزاف في حياتنا، إلا أن هناك قوى قاهرة بداخلنا تقاوم التغيير، وتجعلنا نميل للاستسلام والاعتراف بصعوبة التحرر من تلك الممارسات، وربما تكون قد حاولت التوقف مرارا، وتعلم جيدا انعكاساته السلبية، لكنك تستمر على القيام به، كأن هناك شعاعا مغناطيسيا جاذبا يسحبنا له بقوة.

الأمر يشبه وجود عقلين بداخلنا، الأول: يريد لنا الأفضل، والثاني: يقاوم بكل ما أوتي من قوة وبدون وعي للإبقاء على الوضع الراهن. ولا بد أن هناك أسبابا متعددة لسلوكيات تدمير الذات، إلا أنه غالبا ما يحدث نتيجة اتباعنا لسيناريوهات غير واعية تؤدي بِنا لتكرار المسار الخطأ، فبداخلنا يوجد ذاتان متناقضتان، فالذات الواعية تفعل الأمور بشكل واع، والذات التلقائية تؤدي معظم المهام بلا انتباه، وهي التي تسبب المشكلات عادة لأنها موجهة بالقناعات المسبقة والمبرمجات التي لا نكون على وعي بها، والإطارات المرجعية، والعادات القديمة الخاصة بفعل الأشياء بطرق محددة، وهي التي تسيطر على معظم سلوكياتنا.

إن الهروب من مصيدة السلوكيات التدميرية للذات تحد كبير، لكن هناك تقدما في العلم يثير التفاؤل وهي فكرة العقل المرن القابل للتغيير، فقد تم التأكد علميا بأن عقولنا تتغير وتنمو بيولوجيا نتيجة لخبرات الحياة، فتتشكل خلايا عصبية بشكل مستمر، وتتكون شبكات اتصال ومسارات جديدة بين خلايا الدماغ عند استقبال معلومات مختلفة، مما يجعلنا نصل لقناعة أكيدة بقدرتنا على إعادة ضبط العقل لتطوير إدراكنا بشكل أفضل، بحيث تصبح العادات الصحية أكثر سهولة، وتتجدد مستقبلات السعادة، ويفقد التوتر سيطرته، ولقد تمكن العلماء من رؤية كل هذه التغيرات بواسطة أحدث تقنيات تصوير المخ.

كل ذلك في متناول اليد ولكنه يتطلب الاستمرارية والممارسة، وقوة الإرادة، ومع أن البعض يعتقد أن الإرادة كالعيون الزرقاء شيء تملكه أو لا تملكه، ولكنها مهارة كأي مهارة تستلزم التدريب المنضبط، حيث يجب أن تدرب جهازك العصبي وردود أفعالك، وتلتزم بالتردد على صالة التدريبات النفسية، كما يتدرب لاعب التنس لساعات في الملعب على إستراتيجيات اللعب، وتأكد أنك في كل مرة تختار بوعي سلوكا بديلا، فإنك تجعل القيام به أسهل في المرة القادمة، ومع التكرار والالتزام سيختزن في اللا وعي ويصبح هو الأسهل لمسارات الدماغ.