سالم اليامي

العلاقات بين الأشياء تجبرنا أحيانا لتفحص ما لا يتفحص، والتوقف طويلاً عند جملة من الأمور ليس من المألوف الوقوف عندها.

الطرب والسياسة مساران من السهل أن يُبحث فيهما باستفاضة، كل على حدة، الصعب في رأينا البحث عن ثنايا الأول بواسطة أو عن طريق الآخر أو العكس. أي تلمس السياسي في بعده الفني سواء كان الطرب، أو الشعر. في هذا المقال رصدت كلمات هي من أسرة الفهم والمعنى السياسي، ووجدتها قد تسللت إلى الشعر، والغناء، بل وحتى الطرب. ورغم ما لها من معنى شنيع، وبغيض في سياقها السياسي التاريخي أصبحت في السياق الفني، أو الغنائي شيئاً آخر. على سبيل المثال نجد كلمة «استبداد» وهي كلمة ذات دلالة سياسية خالصة في معناها الأولي، إذا تتبعنا المعنى في ضوء المقولة العربية السائدة «إنما العاجز من لا يستبد» يعني العزم وعدم التهاون في مقابلة الأمور، وهذا ربما يكون المعنى الراجح للاستبداد إن كان قريناً للعدل، ومواجهة الصعاب. وهناك تعريف عند العرب للاستبداد يعني الانفراد، بالأمر، والحكم بأمره والتصرف بصورة مطلقة. أي أنه كما تعرفه بعض المصادر التعسف، والتسلط والتحكم. كما ترد تعريفات أخرى مثل: ظلم وفرض الإرادة من دون مبرر.

التعريف السياسي للاستبداد يقول: إنه شكل حكم يستقل فيه فرد بالحكم، أو مجموعة لا تخضع للقانون، أو دون النظر إلى رغبات المحكومين. بهذا المعنى للاستبداد تقول كلمات إحدى أشهر الأغنيات السعودية والتي شدا بها الفنان المرحوم الأستاذ عبدالله محمد (1939-1990) في سبعينيات القرن الماضي: «هيجت ذكراك حبي واستبد بي الأنين» هذه الأغنية من أبرز الأغنيات التي عرفت الراحل بالجمهور، الطريف أن كلمة استبد مثلت معنى محبباً لدى الناس وللأغنية كاملة، وتذهب بعض الروايات إلى أن كلمات الأغنية من الشعر القديم لأن هناك شبها كبيرا في البناء، ولكن هناك من يذكر أن الشاعر من أبناء المنطقة الغربية ولكنه غير مشهور، وللعلم هذه الأغنية إضافة إلى أن الراحل عبدالله محمد أول من غناها فقد أحبها الناس أيضا بأصوات طلال مداح، ومحمد عبده، وبصوت الفنانة اللبنانية هيام يونس.

الفن في الخليج أيضا عرفت بعض الأغاني فيه شيئا من الكلمات القادمة من رحم السياسة، والغريب أن استخدامها فنيا في رقة وعذوبة، وجمال، بل وقوة عن فيض المشاعر على عكس معناها في السياق السياسي، من ذلك «سامرية الله أكبر يا نصيبي وانا وش بيدي»، التي كتبها الشاعر الكويتي فهد بورسلي (1918-1960) الشاعر الغنائي يتمنى من الله لو كان عبداً لمن يحب ويكون ذلك بدون مقابل، وأن يكون المعشوق هو المتصرف الأول والمستبد في كل ما يخصه هذا بينه البيت الذي يقول: «ليتني عبد لكم ملك وانتا سيدي، والثمن ما بيه يا مطرق الريحاني» والمعلوم للجميع أن العبودية والرق هي امتلاك الإنسان للإنسان، وأن يكون الرقيق مملوكا لسيده. والعبودية بمعناها الاجتماعي والسياسي معروفة منذ الحضارات القديمة، حيث تذكر المصادر التاريخية أن الحضارات قامت على أكتاف العبيد، بمعنى آخر أن العبودية كانت متأصلة في الشعوب القديمة.

في ذات السياق تأتي قصيدة «يا من حوى ورد الرياض بخده» هذه الأبيات شهيرة في التراث العربي على الرغم من عدم معرفة قائلها على وجه الدقة، وزادت شهرتها كقصيدة عندما غنتها السيدة فيروز، وفيها البيت المشهور «إن شئت تقتلني فأنت مخيرٌ، من ذا يعارض سيداً في عبده» الشاعر الشعبي الخليجي تمنى أن يكون عبدا، مجرد أمنية، أما قصيدة ورد الرياض، فإن الشاعر يقرر أنه عبد للمعشوق، وأن المعشوق له كامل الحرية بالتصرف في عبده الذي لا ينازعه فيه أحد. وكأنه قد جمع العبودية وقبول الاستبداد من المعشوق.