محمد البكر

قبل أيام احتفلت القنوات التلفزيونية في كل مكان بنهاية عام مضى وبداية عام جديد. وتباينت تلك الاحتفالات ما بين المسابقات والألعاب النارية وإقامة الحفلات الغنائية والرقص في الشوارع. وكان من الطبيعي أن تصبح تلك الفترة، هي الفترة الذهبية والذروة كما يسميها المتخصصون في عالم الإعلام والإعلان. ولهذا بذلت تلك القنوات كل جهودها وجندت جميع مراسليها لتغطية ذلك الحدث بأدق تفاصيله وسط منافسة شرسة فيما بينها.

عند تنقلي من قناة لأخرى من باب الفضول، تفاجأت بقناة واحدة غردت خارج السرب وكان تغريدها مميزا وجميلا. تلك القناة لم ترسل مذيعيها وكوادرها لتغطية المهرجانات كغيرها من القنوات التلفزيونية، بل أرسلتهم لثلاثة مواقع غابت عن الجميع في تلك الليلة وهي: دار العجزة، دار الأيتام، والسجن العام. وأجزم بأن المسؤول عن تلك القناة تصرف بذكاء وكسب شريحة كبيرة من المتابعين لأحداث ليلة رأس السنة.

تجولت كاميرا القناة في فناء دار العجزة، والتقت مع بعض قاطنيها، فكانت المشاهد مؤثرة ومؤلمة. البداية كانت مع سيدة مقعدة، نظرت للكاميرا بهدوء، ثم قالت أتمنى لو استطيع الذهاب لدورة المياه بنفسي ودون مساعدة أحد. تصوروا أن أمرا نراه بسيطا لأننا لا نشعر بقيمته، تضعه تلك السيدة كأقصى طموحاتها. سيدة أخرى في الثمانين من عمرها قالت كل ما أتمناه أن يسأل عني أقاربي وألا يتركوني هنا للأبد دون أنيس. الثالثة قالت كل أفراد عائلتي ماتوا أو هاجروا فهل يسأل الجيران عني!!. رجل واحد وقف أمام الكاميرا برهة ثم بكى وبكى إلى أن انقطع المشهد.

في دار الأيتام، قفز الأطفال فرحين لوجود الفريق التلفزيوني.. لعبوا واستلموا هداياهم، وعندما بدأ المذيع بسؤالهم عن مشاعرهم في تلك الليلة كانت إجاباتهم مؤلمة مبكية حتى لفريق العمل.

بين حفلات التعري التي نقلتها بعض القنوات، وبين تصرف هذه القناة الإنساني والمواقف المحزنة التي رأيناها، صورة صادقة لمعنى الحياة.. ولكم تحياتي