سالم اليامي

هل يمكن أن نفسر السياسة بالتراث؟ في الحالة التونسية إلى حد ما يمكن ذلك. السؤال الصعب، كيف؟ أستأذن القراء الكرام لأشرح لهم الأمر من البداية. في يوم تقدمت سيدة في العقد الثالث مع عمرها وفجرت نفسها في جمع من رجال الأمن، وهؤلاء الرجال يقال لهم من قطاع البوليسية، أي الأمن العام، وليسوا من قطاع آخر، والمقصود ليسوا من قطاع الجيش على وجه التحديد. السيدة لم تتوافر عنها معلومات دقيقة، والناس في تونس أهل الدقة في كل شيء كما يظهر لمن يخالطهم من أبناء المشرق. القصة قديمة في تونس الخضراء، ومن يريد أن يفهم يجب أن يصبر، ومن لا يطيق الصبر، عليه أن يدخل في الحيط، أو يدوخ كما يقول أهل تونس، وليبيا، وربما الأشقاء في المغرب العربي.

تذكر المصادر الشعبية التونسية أن واحدة من أشهر الأغاني الشعبية التي يتغنى بها الملايين في المغرب العربي حدثت كقصة في القرن التاسع عشر، وفي جزيرة جربة الوجهة السياحية المهمة اليوم في تونس، حيث قادت الأقدار رجلا يبحث عن الرزق الذي ضاق به في المناطق المجاورة لجربة الجنوبية، وتحديداً وكما تؤكد روايات أخرى من منطقة بن قردان على الحدود اليوم مع الأراضي الليبية، أقول قادت رجلا يبحث عن الحظ، والحب، والحياة للقاء قافلة تسير إلى جربة فالتحق بها ذلك المخلوق بحثا عن حياة جديدة، رئيس القافلة اختبر قوة الرجل، وصبره ووظفه معه بطعامه، على أمل أن يحصل له على الموافقة النهائية من صاحب المال التاجر الجربي، وصلت القافلة إلى جربة واطلع المالك على التفاصيل، ورحب بعمل الفتى القادم ابن الصحراء، لونه قوي ومحب للعمل، ولأن الرجل ليس له من الذرية إلا البنات. ومع الأيام مرض الرجل صاحب الثروة والقافلة، وأوعز لابن أخيه أن يشرف على أعمال التجارة في سوق جربة العامر، وأن يمنح الأجير القادم من بن جردان الفرصة للقدوم للدار لاستقبال الزوار، وهنا حصل الاحتكاك المباشر مع ابنة صاحب المال، الذي رأي أن أفضل حل أن يزوج ابنته لابن أخيه، بعد أن توثقت علاقة الحب بينها وبين الرجل القادم من الصحراء. وتم ذلك في غضون أيام تتناسب والحالة الصحية للوالد الثري، وهنا برزت كلمات الأغنية المغرقة في الرمزية، والشعبية التونسية، حيث يصور مطلعها حالة ابنة صاحب الحلال، التي تزف لابن عمها، وتبكي لعدم ظفرها بمن تحب، فيقول الرجل الصحراوي العاشق حتى الثمالة أبيات الأغنية المشهورة التي يؤكد باحثو التراث أنه أضيف إليها كثير من الأبيات مع مرور الزمن، البيت أو المطلع الرئيس يقول: على الجبين عصابة، أي ربطة فوق الجبين، يا دايرة أي يا من تضعين على الجبين رباطا. الفم يضحك، والجبين غضابة، الفم باسم وضاحك بما يليق بعروس تحمل على الخيل، وتزف إلى عريسها ولكن العيون غاضبة بل في أشد حالات الغضب.

ثم تأتي لزمة هيلا هيلا يا شوشان، ويقصد بها على مهلك يا حصان يحمل هودج الزفاف، وتقول بعض الروايات إن شوشان هو السايس أسمر اللون الذي يقود العربة.

قصة جربة، وحب البدوي القرداني للفتاة الجربية، ودخول ابن العم للفوز بالحبيبة، فيها كثير من دلالات الصراع الأمني، والسياسي، والاجتماعي، الدائر اليوم هناك. النهضة كحركة سياسية قوية في الداخل التونسي، ولكن إشارات الرئيس السبسي أن الإرهاب ليس بعيدا عن تونس يقول الكثير.

الناس في تونس كقوى بشرية على الأرض، قد يرون أن النهضة ربما الخطر القادم، وأن ليس هناك درجة موثوقة من الأمان على الأرض التونسية سوى بالعودة للمؤسسة العسكرية، كثيرون، مثقفون، وسياسيون، كتاب، أصحاب رأي في تونس يقولون، بعربية لا تخلو من الفرنسية «ساييه»، بمعنى كفى، الصورة الآن أوضح من أي وقت مضى. نريد إنقاذ تونس، نريد الجيش.