كنا تحدثنا في الجزء الأول عن الجوانب النظرية في علاقة عوامل الحياة بالابتهاج المستمر أو الغالب في لحظاتها وأحداثها، والآن نتحدث عن الجوانب العملية لتلك العوامل في حياة الناس ومعايشاتهم. فكثير من البشر يمارس درجة من درجات جودة الحياة (في أعلى السلم أو وسطه أو أدناه)، دون أن يفلسف تلك المعايشة، أو حتى يعرف إن كان بإمكانه تحسين وضعه المعيشي بقدراته الذاتية نفسها. وهنا تكمن قيمة إعادة نظر الإنسان في وضعه من زاوية أخرى، غير التي اعتاد النظر من خلالها إلى دوره ودور الأشياء الأخرى المحيطة به في حياته.
فإذا نظرنا إلى المجتمعات المتقدمة في العصر الحديث، فإننا نرى أن عوامل مادية وعناصر علاقات، مثل: الثروة، والموقع الوظيفي، والقوة الجسدية والمعنوية، والشهرة بكل أنواعها، والمظهر الخارجي (أو الجمال)، هي التي ينظر إليها بوصفها رموز السعادة في إطار الحياة الرأسمالية المعاصرة. لكن هذه الرموز يمكن أن تكون خادعة، فقد تكون حاجبة للواقع عن نظر المراقبين، أو المغتبطين بمثل تلك العوامل لدى أناس آخرين، رغم كونهم لا يشعرون بأنها قد منحتهم الشعور بالسعادة. وإذا تأملنا حياة كثير ممن يملكون أغلب تلك العوامل والعلاقات، نجد أن الواقع العملي لا يؤكد صحة تلك الفرضية، التي شاعت لدى أغلب العوام في المجتمعات المعاصرة. فجودة الحياة ليست قائمة على تلك العناصر، التي تعتمد أساسا على كيفية تفكير الناس عنا، أو نظرتهم إلينا، أو تقوم على مدى ما نملكه، بل تقوم أكثر من ذلك على كيفية شعورنا بأنفسنا، ودورنا في حياتنا وحياة الآخرين، وعما يحدث لنا في سير الوقائع. لذا، فإنه من أجل تحسين الحياة يلزم الإنسان الرفع من جودة التجارب. ودون المرور بمعايشة الشعور الداخلي بمدى ما يحققه المرء في حياته، واستعراض منجزاته، والاعتزاز بما يمثل الوصول إلى بعض الأهداف الكبرى المرسومة من قبل، فإن الإنسان لن ينعتق من أسر الركض خلف ما يرغبه الآخرون منه، وما يتوقعونه منه، دون الغوص في دواخل نفسه، لتتحول لحظات الحياة اليومية إلى أحداث تساعده على الرضا عن ذاته.
وهذا لا يعني بالطبع أن المال أو الصحة الجسدية أو الشهرة غير مهمة للشعور بالسعادة، فهي قد تكون عوامل مؤثرة، إذا ساعدتنا على أن نشعر بقيمة أنفسنا بصورة أفضل. عدا ذلك، فإنها تصبح - في أفضل الأحوال - محايدة، وفي أسوأ الحالات تمثل عوائق في طريق حياة تتحقق فيها الأهداف والرضا عن الذات. فالتجارب، التي تحقق المتعة، ستكون قادرة على خلق البهجة، لكن كلتا الحالتين مختلفتان.. فالمتعة مؤقتة، ولا تصل إلى دعم الذات بالخبرات الحيوية، بينما التعلم من الحياة، والإضافة إلى الخبرات هو ما يخلق البهجة المنبعثة من الداخل، مثلما هي الحال لدى الطفل في مراحل تعلمه المهارات والكلمات والمقاصد في سنوات عمره الأولى.
هناك بعض من يتقن هذه الآليات، دون أن يكون قد تعلمها. إذ يحكى أن أحد الدارسين الأمريكيين في مجال إدارة الأعمال قد سافر إلى بعض شواطئ المكسيك، فوجد الصيادين في تلك القرى يصطادون الأسماك القليلة، ليعودوا إلى أهلهم ويحتفلوا معهم في المساء بفرح وحبور. فقال لهم ناصحا: لماذا لا تقترضون أموالا لكي تشتروا قوارب صيد كبيرة، فتصطادون أسماكا كثيرة، وتبيعون الزائد عن الحاجة، ثم تستثمرون المال في البورصة في نيويورك، لتعودوا في الإجازات إلى أهاليكم، وتحتفلوا معهم قبل أن تعودوا مرة أخرى إلى استثماراتكم. فقالوا له: ولماذا نصنع ذلك؟ فنحن الآن نحتفل مع أهلنا بما نصطاده من الأسماك القليلة دون حاجة إلى نمط الحياة الذي تقترحه علينا. فالنموذج المبهج هو ما يجدر السعي إليه!
فإذا نظرنا إلى المجتمعات المتقدمة في العصر الحديث، فإننا نرى أن عوامل مادية وعناصر علاقات، مثل: الثروة، والموقع الوظيفي، والقوة الجسدية والمعنوية، والشهرة بكل أنواعها، والمظهر الخارجي (أو الجمال)، هي التي ينظر إليها بوصفها رموز السعادة في إطار الحياة الرأسمالية المعاصرة. لكن هذه الرموز يمكن أن تكون خادعة، فقد تكون حاجبة للواقع عن نظر المراقبين، أو المغتبطين بمثل تلك العوامل لدى أناس آخرين، رغم كونهم لا يشعرون بأنها قد منحتهم الشعور بالسعادة. وإذا تأملنا حياة كثير ممن يملكون أغلب تلك العوامل والعلاقات، نجد أن الواقع العملي لا يؤكد صحة تلك الفرضية، التي شاعت لدى أغلب العوام في المجتمعات المعاصرة. فجودة الحياة ليست قائمة على تلك العناصر، التي تعتمد أساسا على كيفية تفكير الناس عنا، أو نظرتهم إلينا، أو تقوم على مدى ما نملكه، بل تقوم أكثر من ذلك على كيفية شعورنا بأنفسنا، ودورنا في حياتنا وحياة الآخرين، وعما يحدث لنا في سير الوقائع. لذا، فإنه من أجل تحسين الحياة يلزم الإنسان الرفع من جودة التجارب. ودون المرور بمعايشة الشعور الداخلي بمدى ما يحققه المرء في حياته، واستعراض منجزاته، والاعتزاز بما يمثل الوصول إلى بعض الأهداف الكبرى المرسومة من قبل، فإن الإنسان لن ينعتق من أسر الركض خلف ما يرغبه الآخرون منه، وما يتوقعونه منه، دون الغوص في دواخل نفسه، لتتحول لحظات الحياة اليومية إلى أحداث تساعده على الرضا عن ذاته.
وهذا لا يعني بالطبع أن المال أو الصحة الجسدية أو الشهرة غير مهمة للشعور بالسعادة، فهي قد تكون عوامل مؤثرة، إذا ساعدتنا على أن نشعر بقيمة أنفسنا بصورة أفضل. عدا ذلك، فإنها تصبح - في أفضل الأحوال - محايدة، وفي أسوأ الحالات تمثل عوائق في طريق حياة تتحقق فيها الأهداف والرضا عن الذات. فالتجارب، التي تحقق المتعة، ستكون قادرة على خلق البهجة، لكن كلتا الحالتين مختلفتان.. فالمتعة مؤقتة، ولا تصل إلى دعم الذات بالخبرات الحيوية، بينما التعلم من الحياة، والإضافة إلى الخبرات هو ما يخلق البهجة المنبعثة من الداخل، مثلما هي الحال لدى الطفل في مراحل تعلمه المهارات والكلمات والمقاصد في سنوات عمره الأولى.
هناك بعض من يتقن هذه الآليات، دون أن يكون قد تعلمها. إذ يحكى أن أحد الدارسين الأمريكيين في مجال إدارة الأعمال قد سافر إلى بعض شواطئ المكسيك، فوجد الصيادين في تلك القرى يصطادون الأسماك القليلة، ليعودوا إلى أهلهم ويحتفلوا معهم في المساء بفرح وحبور. فقال لهم ناصحا: لماذا لا تقترضون أموالا لكي تشتروا قوارب صيد كبيرة، فتصطادون أسماكا كثيرة، وتبيعون الزائد عن الحاجة، ثم تستثمرون المال في البورصة في نيويورك، لتعودوا في الإجازات إلى أهاليكم، وتحتفلوا معهم قبل أن تعودوا مرة أخرى إلى استثماراتكم. فقالوا له: ولماذا نصنع ذلك؟ فنحن الآن نحتفل مع أهلنا بما نصطاده من الأسماك القليلة دون حاجة إلى نمط الحياة الذي تقترحه علينا. فالنموذج المبهج هو ما يجدر السعي إليه!