جاء تحديد الخامس من شهر أكتوبر من كل عام للاحتفاء باليوم العالمي للمعلم تقديرا من المجتمع الإنساني وشعوبه ودوله للدور الهام الذي يؤديه المعلم في إعداد الأجيال وتربيتها من أجل تحويل النشء إلى مواطنين صالحين يخدمون وطنهم وأمتهم والإنسانية جمعاء، والقيام بتوجيه الوجدان والسلوك نحو القيم الإنسانية العالية وفي مقدمتها التسامح والمحبة واحترام حقوق الغير وحريته. وقد اعتادت المؤسسات التعليمية في المملكة أن تشارك بهذه المناسبة تعبيرا عن التقدير للدور الذي يتحمله المعلم نحو المجتمع، كما اعتادت المؤسسات الوطنية الاحتفاء بهذه المناسبة أيضًا، ومن الجميل أن تضرب بعض مؤسسات المجتمع والقطاع الخاص المثل في ذلك، كما يحصل في مدينة جدة التي أطلقت مبادرة شاركت فيها المحافظة وإدارة التعليم وبعض الشركات من خلال المسؤولية الاجتماعية لهذه المؤسسات في جهد يستحق الإعجاب ويصلح أن يكون مثالا يُحتذى في غيرها من المناطق، وتقوم هذه المبادرة على تكريم المعلمين المتميزين سواء في المدارس الحكومية أو الأهلية وفق معايير محددة في مقدمتها تميز المعلم في عمله، وأن يكون المرشح قد أعد مشروعًا تربويًا أو تعليميًا متميزًا خاصًا به وطبقه لصالح طلبته. وليس استمرار المشروع طوال هذه السنوات هو الدليل الوحيد لنجاحه، بل إن نظرة على أعداد المشاركين التي بدأت حسب مصادر الجهة المشرفة بحوالي خمسمائة معلم لتصل هذا العام لحوالي 930 معلمًا ومعلمة من مجموع عدد المعلمين والمعلمات في المحافظة، وإضافة إلى رسالة التقدير التي يحملها التكريم إلى هؤلاء المعلمين فإنه بلا شك يكون حافزا للمشاركين والفائزين على مزيد من التميز والإبداع كما أنه حافز لغيرهم للاقتداء بهم وبذل الجهود لتطوير الأداء، والقيام بالمبادرات والمشروعات التي يظهر أثرها جليًا في مخرجات التعليم وأهمها مستوى طلبتهم والارتقاء به نتيجة للأخذ باستراتيجيات التدريس التي تعد الطلبة لعالم متجدد تتسارع فيه مستجدات التقنية والعلوم ولا مكان فيه لمن لا يلحق بالركب دون تأخير. إن مفهوم التربية اليوم ليس كما كان سابقًا حيث كانت المعارف التي تعمل المدرسة والجامعة على تزويد الطالب بها هي الهدف الاستراتيجي للمؤسسة التعليمية بكافة مراحلها سواء في التعليم العام أو التعليم الجامعي، بينما مفهوم التربية اليوم هو إعداد الطالب للحياة مما يقتضي الاهتمام بالمهارات وليس بالمعلومات فقط، وفي مقدمة ذلك مهارات التفكير الإبداعي والنقدي ومهارات الاتصال والتواصل الفعال ومهارات التعامل مع التقنيات الحديثة وتوظيفها في عمليات الوصول إلى المعلومات في مصادرها والتي بدونها لا يمكن الإلمام بالكم الهائل من المعارف الذي توفره هذه الوسائط، وقبل ذلك وبعده تحصين الجيل من المؤثرات السلبية لهذه الوسائط التي هي سلاح ذو حدين إما أن تستخدم لبناء الإنسان الصالح وتكون رافدا للمؤسسة التعليمية في إعدادها هذا الإنسان، أو تأثيراتها السلبية التي تصل إلى حد الجريمة والضياع. في بحر ذلك كله ورغم كل العوامل الأخرى وأهميتها فإن المعلم يبقى هو العامل الأكثر تأثيرا، ويظل دوره يستحق التقدير والاحترام، ويظل دعمه معنويا ضروريا لاستمراره في تأدية هذا الدور، ولذلك فإن مناسبة اليوم العالمي للمعلم ينبغي أن يستمر الاحتفاء بها عامًا بعد عام، وأن توجه التحية لمن يبادر للقيام بها وإحيائها من المؤسسات والجهات المجتمعية والشخصيات ولذلك نحيي مبادرة جدة وندعو أن تكون أنموذجا لما يمكن أن نقوم به جميعًا.. جدة غير حقًا!!.