القمر بين الدعاية والتنافس
منذ بداية البشرية والإنسان مفتون بالقمر، وكم من شاعر هام وتغزل فيه، ولم يتصور أحد أبدا أن يصل إليه الإنسان يوما ما. في نفس هذا الشهر (فبراير) وقبل 52 سنة هبطت أول مركبة إلى القمر قبل رائد الفضاء الأمريكي «نيل أرمسترونج»!لقد كانت هناك محاولات كثيرة وناجحة للوصول إلى القمر، ولكنها لم تحصل على الضجة الإعلامية كالتي حصلت عليها المركبة الفضائية الأمريكية «أبولو11».بينما كنت أبحث عن بعض المواضيع المتعلقة بالفضاء صدمت وذهلت بالعزيمة والإنجازات التي قام بها فريق فضاء الاتحاد السوفيتي المهتم بالوصول إلى القمر. وربما أنت مثلي ستندهش حين تعرف بعض المعلومات عن برنامجهم الفضائي الذي أطلق عليه اسم «لونا» ومعناها بالروسية القمر.وإليكم بعضا من المعلومات المفاجئة (للتفاصيل الرجوع إلى ويكيبيديا) وهي أن أمريكا ليست أول دولة وصلت وهبطت على القمر، بل هو الاتحاد السوفيتي وذلك عام 1959م حيث اصطدمت المركبة «لونا 2» بالقمر (أي قبل عشر سنوات من وصول المركبة الأمريكية أبولو11).وهل تعلم كم رحلة قام بها فريق الفضاء السوفيتي إلى القمر منذ عام 1959 إلى عام 1976؟ هي أربع وعشرون رحلة (لونا1 إلى لونا 24)، وقد فشل منها 8 مقابل 16 حالة نجاح وإنجاز. فهم أول من وصل إلى القمر، وهم أول من دار في مدار القمر، وهم أول من التقط صورا من سطح القمر. وبأيديهم صنعوا أول مركبة «لونا 9» تهبط بنجاح على سطح القمر 1966م. وللمعلومية هم أيضا أول من وصلوا إلى الفضاء وداروا حول الأرض.ليس المقصد من هذا المقال سرد المعلومات أو دعاية لدولة أو شخص بعينه، بل المقصود هو الاستفادة مما حدث وذلك من عدة نواحٍ:منها أن المنافسة والتحدي يدفعان الإنسان إلى الإبداع والابتكار، ويجعلان الأفكار تتدفق بشراهة. وهما كالوقود الذي يشعل حماس التقدم العلمي حتى ولو كانت الدوافع سياسية تنافسية بين قطبين. فلولا هذا التنافس المحموم من أجل «الهيمنة النفسية العالمية» لم يفكر أحد بالوصول إلى القمر في تلك الحقبة من الزمن.ومنها أيضا أنه حين يكون لديك هدف واضح محدد، فكل شيء حولك سوف ينطلق إليه. وهذا ما فعله الرئيس الأمريكي جون كنيدي حيث قال (1961م): يجب وضع إنسان على القمر. وقد حدث ذلك (1969م) بعد ست سنوات من اغتياله لأن الهدف ما زال قائما.ومن الدروس أنه لو عملت بكل جهدك ولكنك لا تملك أدوات الدعاية ولا تجيد فن الإعلام، فلن يعلم أحد من الناس بإنجازاتك وستظل في الظلام إلا للباحثين والمختصين فقط وبذلك تخسر الزخم الإعلامي، وكذلك تخسر صورة الهيمنة وعلو الكعب. ومنها الاهتمام بفكرة الديمومة المالية المتدفقة، فقد توقفت برامج ورحلات «لونا» للوصول إلى القمر عام 1976م بسبب نقص التمويل المادي. ولعل من الأسباب البيروقراطية في النظام، فهي عاق قوي أمام التطور والتقدم. ولو أنهم استخدموا فن وقوة الدعاية والإعلام لربما استطاعوا جمع أموال من شركات أو مساهمات في دفع البرنامج قدما ليشمل أغراضا تجارية، وطبية وسياحية وغيرها. ولكن السؤال الذي يحير البعض إلى اليوم: لماذا لم يهبط الإنسان على القمر منذ تلك الحقبة؟!، فالبون شاسع في الإمكانيات والميزانيات والتقنيات بين الأمس واليوم؟ وهذا الذي يدفع البعض في التشكيك في مسألة وصول الإنسان إلى سطح القمر.المهم أن التقدم العلمي مع الدعاية القوية والمنظمة ممكن أن يوصلك إلى القمر وعلى المُشكك إثبات العكس!