الرأي المستهلك
كثيرا ما يتعرض بعضنا لموقف تبرير استخدامنا لليد اليمنى في الاكل والشرب لبعض من لا ينتمون الى ثقافتنا. وقد يكون ذلك اثناء الدراسة في الخارج او في السفر او في بيئة العمل التي تضم مزيجا من العاملين الذين ينتمون الى ثقافات مختلفة عنا. وفي غالب الأحيان، يكون جوهر التبرير الذي نقدمه مرتبط بالنظافة والقذارة. باختصار، اليد اليمنى تستخدم للأعمال النظيفة واليد اليسرى تستخدم للأعمال القذرة. والبعض قد يسهب في هذا التبرير ويذهب به بعيدا ذاكرا تفاصيل غريبة مدعومة بحجج عجيبة.وفي نفس السياق اذكر قصة ذكرها لي احد الزملاء اثناء دراستي في بريطانيا. إذ انه في يوم من الأيام واثناء محاضرة في الجامعة حصل سوء فهم بين احد الطلبة السعوديين وأستاذ المادة الإنجليزي، مما أدى الى ان يكون الطالب في موقف دفاع عن نفسه، فقدم الاعذار والحجج ليبرر موقفه، ولكن الأستاذ لم يبد مقتنعا بما ذكره الطالب من مبررات. فوجد الطالب نفسه مضطرا ان يذكر استاذه بأنه مسلم، والمسلم لا يكذب. وبعد انصات لكلام الطالب، رد عليه الأستاذ قائلا ان هذا المبرر غير مقبول، وأنه لا يعتقد بأن هناك دين في العالم سيحث اتباعه على الكذب. إلا أنه، وبحسب راوي القصة، استطاع المدرس والطالب ان يتخطيا الامر بهدوء.والتبريران المذكوران آنفا، الاول الخاص باستخدام اليد اليمنى، والثاني الخاص بانعدام احتمال الكذب كون الطالب مسلما، لا يخلو من براءة واضحة في الطرح، كما انه يظهر اعتزازا واضحا بالانتماء لهذا الدين العظيم. إلا ان المتدبر في التبريرين آنفي الذكر لا يتطلب منه وقتا طويلا ليدرك انهما غير دقيقين على اقل تقدير. فلا الاكل والشرب باليد اليمنى علتهما النظافة ولا كون الانسان مسلما ينفي عنه احتمال الكذب. إلا أن من يستخدم هذين التبريرين لم يفعل شيئا سوى انه اخذ قالبا من التبريرات معروفا وشائعا بين الناس وقام باستخدامه في الوقت والسياق المناسبين.ومن يتبن هذا النوع من التبريرات والآراء يظن انها مبنية على اساس سليم ورصين. وأحد أهم ركائز هذه الرصانة، ربما هي شيوع قبولها وتداولها بين عامة الناس. ومن سمات هذا النوع من الآراء والتبريرات ايضا، أنها جاهزة وكافية، فلا داعي للزيادة عليها او الاختصار فيها. ويجدر القول في هذا السياق، أن استخدام هذه القوالب الجاهزة ليس بالأمر المفزع حينما يستخدمها أحد عامة الناس في مثل الموقفين الطريفين المذكورين آنفا. ولكن الضرر يكون بليغا حينما يكون بعض المحسوبين على النخب المثقفة هم من يتبنى مثل هذه التبريرات والآراء المستهلكة بغير هدى. فيختفي من طرحهم كل حس نقدي في تناولهم لبعض القضايا الاجتماعية او الاقتصادية وغيرها، والتي تتطلب إعمال العقل والتحليل الدقيق والطرح المتعمق من أجل اظهار كل ما قد يخفيه ذلك التبرير المستهلك «المعروف». وبخاصة ان هؤلاء النخب يتناولون في طرحهم قضايا بالغة التعقيد، والتي بالضرورة تستدعي التفاوت في الطرح. لكنك ترفع حاجب الدهشة حينما تسمع وتقرأ تحليلات تكاد تكون متطابقة في الكثير من القضايا. وهذا يدفعني للتساؤل عن دوافع هذا الاستنساخ في طرح الآراء. وهو تساؤل لن أجيب عنه بكل التأكيد. ولكن على اقل تقدير، إن كانت عادة سيئة، فأدعو للإقلاع عنها.