عبدالله الغنام

الكذبة الصادقة!

لنفترض أننا سمعنا (أن زيدا ضرب عمرا) أو رأينا جزءا من المشهد عبر التلفزيون أو قنوات الإنترنت أو المواقع التواصل الاجتماعي، سنجد أن كثيرا من الناس سيتعاطف مع المشهد أو الخبر لأن الناس تحركهم المشاعر وردود الأفعال، فالجماهير عاطفية كما وضح ذلك المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجية الجماهير».ولكن الخبر أو المشهد الذي نُقل هو نصف الحقيقة لأن زيدا كان يدافع عن نفسه وأرضه، ولكن الخبر أو المشهد لم يُنقل إلينا كاملا بل جزء منه، حيث إن عمرا هو المعتدي على أرض غيره بالقوة (في بداية المشهد الذي لم يُعرض عمدا!) وزيد هو المدافع. وقس على ذلك الكثير من المعلومات والأخبار المرئية والمسموعة التي نراها كل يوم عبر مختلف الوسائل. والبعض يستخدم مصطلح «True lie» بمعنى الكذبة الصادقة، وهو ذكر جزءا من الحقيقة وليس الحقيقة كاملة من أجل تضليل الأفراد أو الرأي العام.وليس كل ما تتناقله وسائل الإعلام أو التواصل الاجتماعي خطأ أو مُضللا (فالتعميم في الحكم غالبا خطأ) ولكن يفترض أن نحكم العقل والفكر قبل نقل الأخبار خصوصا إذا كانت لها ضرر وإساءة للدين أو الوطن أو أعراض الناس، أو الاتهامات جزافا بغير دليل.ومن المشاكل الرئيسية التسرع في النقل، فكثير منا وأنا واحد منكم يدفعني إلحاح نفسي أن أكون أول من ينقل المعلومة للمتابعين والأصدقاء. ولكن السؤال العقلاني والبسيط ما الفائدة المرجوة لي عندما أكون أول الناقلين للأخبار؟!. هل أنا محطة إعلامية وهذه هي مهمتي؟. لقد أصبح الكل الآن مع تنوع وسائل التواصل الاجتماعي محطة إعلامية بنفسه ووحده، وهنا تمكن العقدة وبيت القصيد. ولذلك أول شيء نفعله هو الشك قبل اليقين ثم الرجوع إلى المواقع الرسمية أو البحث في المصادر الإعلامية الموثقة والمعروفة لتأكد من الأخبار لأنها سوف تتحمل المسؤولية، وكذلك التبعات القضائية لنشر الأخبار أو الاشاعات (ولا شك أننا أيضا نتحمل تبعات ذلك). بالإضافة إلى أنها سوف تفقد المصداقية والمتابعين حين يكثر منها تلك الزلات.والأمر الآخر هل نحن ملزمون بنقل الخبر أو الاكتفاء بالقراءة والمشاهدة؟ وقد في جاء الحديث الشريف: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع». وكأن هذا الحديث يشخص زمننا بالضبط وما نقوم به عن طريق الجوال ومواقع التواصل الاجتماعي التي جعلت البعض ينقل أغلب ما يأتيه من دون تمحيص أو تفكير، كأنه وكالة (يقولون).ومع كل الوسائل المتاحة لتأكد من المعلومة وسهولة الوصول إليها لا يزال البعض يتسرعون في النقل قبل التثبت. وهذا يجعلني اذهب بالزمن إلى الوراء وأتذكر الجهد المهول والمذهل الذي قام به جهابذة أهل الحديث في نقل وتمحيص الأحاديث النبوية حيث لم تتوفر لهم الوسائل والتقنية الحديثة، بل كان لا بد من السفر لشهور وسنوات طويلة من أجل جمع الأحاديث والتأكد حتى من كلمة زائدة أو ناقصة في المتن. بل حتى الأخبار والقصص والروايات في كتب التاريخ التراثية كان فيها الإسناد شائعا لتفادي الخطأ وإبراء الذمة، وقد قيل: من أسند فقد أحال ومن أحال فقد برئ. وللأسف أن هناك فئة من الناس ما زالت مندفعة في سرعة نقل الأخبار وعدم التريث. وكما جاء (كتاب البداية والنهاية لابن كثير) في قصة إسلام عمر بن الخطاب -رضي الله- حين أراد أن يذيع خبر إسلامه، فسأل: أي قريش أنقل للحديث؟! فقيل له: جميل بن معمر الجمحي (رضي الله عنه فقد أسلم كما جاء في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة).ليس المهم من ينقل أولا، ولكن المهم هل الخبر صحيح؟، وما الفائدة من نقله للآخرين؟!.