متهم بغير بينة!
من القواعد المشهورة جملة: «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، ولكن مع كثرة وسائل التواصل الاجتماعي والزخم الهائل في تناقل الأخبار والأحاديث أصبح الاتهام أو إطلاق شائعة عن أي شخص أسهل من ذي قبل.فبمجرد أن تخرج شائعة أو تهمة على شكل تغريدة مثلا يبدأ بعدها طوفان من الألسنة تلوك سمعة الأشخاص أو تطلق الأحكام والاتهامات جزافا قبل معرفة كامل الخبر أو تأكد من صحته. وحتى لو تأكد الخبر، فليس من اختصاصنا اتهام الآخرين!، والقاعدة العامة كما جاء في الحديث الشريف: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».إن تدفق الأخبار بشكل منهمر عن طريق مختلف وسائل التواصل الاجتماعي والصحف ووسائل الإعلام المختلفة يجعل الآذان تتلقفها دون العقول. وهي في بعض الأحيان من أجل إثارة الضجة وزيادة عدد القراء أو لزيادة عدد متابعين، أو للبحث عن الشهرة وحب الظهور.ويأتي أيضا في مضمون ذلك بعض من حديث المجالس والأصحاب، فهو عام يخلو من الأدلة المنطقية والدقيقة، ولا يبنى عليه حكم راجح، بل هو من الأحاديث التي لا تصدق ولا تكذب. ويكثر فيها: قال لي فلان، وسمعت فلانا، ورأيت ذلك أو قرأته من «واتس أب»!. وللأسف يعتقد البعض أن كل ما يأتيه عن طريق «واتس أب» أو غيره دليل مادي منطقي لا يقبل التشكيك!. ومن روائع الكلمات لتفادي تلك الزلات اللفظية والأخطاء في المجالس وغيرها هو ما رُوي عن الربيع بن خيثم أنه حين سُئل: ما نراك تغتاب أحدا؟، فقال: لست عن نفسي راضيا حتى أتفرغ لذم الناس!وهناك مشكلة أخرى وهي حمى نقل الخبر بسرعة كأن العالم مهتم بمن ينقل الخبر أولا بغض النظر عن صحته أو مصداقيته. وتصبح المسألة أكثر جرما حين ننقل اتهامات عن أشخاص في دينهم أو أعراضهم أو مهنهم أو أعمالهم أو مناصبهم. فالاستعجال في إطلاق التهم بغير بينة، وإطلاق الشائعات على عواهنها، وإصدار الأحكام على الآخرين قبل التأكد هو أمر خاطئ ومعيب بشدة من الناحية الدينية والعقلية، وهو جرم يعاقب عليه القانون. وقد جاء في الأثر عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: «إذا جاءك الخصم وقد فقئت عينه فلا تحكم له، فلعل خصمه فقئت عيناه».ولذلك حين تصلنا أخبار عن قضية أو تهمة أو قذف، فلا بد من حفظ اللسان والإصبع أيضا من الضغط على زر الإرسال من الجوال. ولعلنا نتساءل مع أنفسنا لو كنت أنا ذلك الشخص المتحدث عنه هل كنت سأرضى بما قيل أو أشيع؟!. ونحن نجد في حادثة الإفك خير عبرة ودرس، فقد كان الجو العام الإعلامي والدعائي قويا وشديد التأثير على البعض، والأراجيف منتشرة في بعض المجالس وفي بعض أحاديث الناس. ولكن أسلم كلمة قيلت في ذلك الموقف هو ما قالته أم المؤمنين زينب بنت جحش -رضي الله عنها-: «احمي سمعي وبصري»، مع أنها كانت ضرة وتنافس عائشة -رضي الله عنها-، والفرصة كانت مواتية لها لتقول شيئا بالتلميح لا التصريح!، ولكن كان انتصار النفس في ذلك الموقف هو الأقوى والأرقى.وبصراحة أكثر أيها القارئ الكريم إن الإنسان المشغول بنفسه وبأهدافه في الحياة ليس عنده وقت للعجن في الإشاعات والاتهامات للناس بغير طائل ولا فائدة، ويعتبر ذلك من السخف والصفاقة، وكفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع!.