فهد السلمان

الجامعات والبحث عن الهوية

لم تفاجئني دعوة جامعة نورة قبل حوالي أسبوع لأحد الشعراء الشعبيين لإقامة أمسية شعرية، لأنها ليست الأولى بين الجامعات التي تبحث عن النشاط الأرخص، ولن تكون الأخيرة، في ظل فقدان معظم جامعاتنا هويتها العلمية، أو الإصرار على العيش داخل وهم أنها مجرد منصة يمكن أن تستوعب ما تستوعبه فضائيات الشعر الشعبي، وشاعر المليون، وتفسير الأحلام، وبقدر ما أشعر بالأسف جهة انصراف أكثر الجامعات المحلية إلى هذا النوع من الأنشطة، وقلب ظهر المجن لدورها العلمي كخزانات للبحث، ومنصات للتفكير، وصناعة البوصلة للوعي العام، وركائز الابتكار، بقدر ما ألتمس لهم العذر في استخدام هذه التحويلة الجانبية التي تسترضي الذوق السائد، عوضا عن أن تسهم في صناعة الذوق الذي يجب أن يسود، والذي يُنتظر من جامعات كبيرة تتلقى موازنات كبرى ومستقلة من الدولة، بغية تطويعها لصناعة المستقبل، في عصر ثورة المعرفة والاقتصاد غير المزاحم. لماذا تسلك جامعاتنا الطريق الأسهل في نشاطاتها، وتستدعي الشعر الشعبي إلى مدرجاتها، والذي تحتكر فضائياته وبرامجه ثلاثة أرباع مساحة الفضاء الإعلامي المتاح؟، في الوقت الذي تستميت فيه في البحث عن مرتبة في تصنيف شنغهاي، أو التصنيف الأوروبي أو غيرهما؟، وهل يدخل الشعر الشعبي ضمن معايير البحث العلمي، أو الأداء الأكاديمي، أو نسبة الأبحاث المنشورة؟. وللإجابة عن هذه التساؤلات، لا بد من العودة للبحث في مسألة الشخصية الأكاديمية لجامعاتنا، لنكتشف أننا أمام السؤال الأصعب، والذي لا تتوافر له أي إجابة، حتى ولو على سبيل التخمين، ما يجعلنا نجد أنفسنا أمام نسخ مكررة تقريبا، ليس بينها أي فوارق رئيسية عدا ما يتوافر نتيجة الفروق الفردية لقياداتها وحسب، وقد أحسنت الإدارة الهندسية في وزارة التعليم العالي سابقا الصنع عندما تبنت تصميما واحدا لكل بوابات الجامعات الجديدة في مختلف مناطق المملكة، بحيث لا يكون هنالك فرق إلا في اسم الجامعة والمنطقة، وكأنها تريد أن تقول: إنها مجرد نسخ مكررة لمنصات جاءت لاستيعاب الموجود، وليس لبناء هوية أكاديمية، أو لصناعة البحث العلمي، والمنافسة العلمية، لنصل بالنتيجة إلى أن تتساوى في الاهتمام قامة جامعة يعول عليها الوطن، مع قامة إحدى فضائيات الشعر الشعبي دون تسمية، وهذا مبعث الأسف.