مطلق العنزي

المرغم.. المعتدي الأثيم..

كان الإنسان يعيش حياة بسيطة، في البادية أو القرية أو المدينة، ولا يعاني أيا من الجدران والمناكفات والتعقيدات التي تحاصره في المدن المكتظة المزدحمة المتزاحمة هذه الأيام.وكلما تتعقد الحياة، يحتاج الإنسان إلى أدوات ومفاهيم جديدة للسيطرة على الجوانح والجنح وحتى الجوائح التي يمكن أن تحدث في أية لحظة ولأي سبب تافه أحيانا.كانت الكلمة بين الناس، وبين البائعين والمشترين وكل المتعاقدين، هي العهد والميثاق لأن الحياة بسيطة وأدواتها ومفاهيمها أقل تعقيدا ويمكن كشف المتلاعبين، النادرين جدا إلى درجة الذهول، بيسر وسهولة. أما الآن فإن الإنسان وهو يعيش طفرة «الأكواد» وبحر كلمات السر، حيث شيم التكنولوجيا وسلائقها وطبائعها، وجبال من العقود، من شراء الأجهزة والسيارات وصيانتها، والمغاسل والتذاكر وشركات التأمين إلى حسابات البنوك، والإدارات الخدمية.في كل مكان وكل جهة وفي كل يوم عقد جديد، وشروط جديدة يضعها المعنيون بعد أن يدرسوها أياما وهم يضعون أرجلهم بعضها على بعض ويدعكون الجباه ويتناولون المرطبات، ويرصون شروطا ومواد من صالحهم ولصالحهم، ولديهم مؤسسات لتفسير القوانين واستنباط شروط تعري المواطنين من حقوقهم تقريبا، فيما يتطلب من المواطن (الزبون) في لحظة مهمومة وسريعة و«عصبية» أحيانا، التوقيع على الشروط وفقرات التعاقد، وأنه «موافق». وهو يوافق مرغما إذ لم يُؤخذ رأيه، وأصلا رأيه ليس مطلوبا. المطلوب موافقته وهو صاغر، بل ليس لديه من الوقت حتى لقراءة الشروط، ولا التمكين. وأصلا لو لم يوافق لن يحظى بأية خدمة.فليجرب أحدهم ويعترض على فقرة في عقود الحسابات البنكية أو البطاقات المصرفية، فلن «يشم» ريحة الحساب، ولا حتى يقترب من جدران المصرف إن لم يوقع بلا سؤال ولا «فلسفة»، على الشروط والمواد. وإذا حدث خلاف، يأتي جيش محامي المصرف و«يشهرون» التوقيع، ويقول إن المواطن، المعتدي الآثم الأثيم، قد وقع «بكامل إرادته». والمواطن لا يستطيع القول إنه لم يكن بكامل إرادته. فهو بكامل إرادته «مرغما». ولا بد أن تشكل هذه التعقيدات معارك يومية في المحاكم.وبحكم هذه التعقيدات فإن التوعية الحقوقية القانونية مهمة وضرورية، لتوعيتنا، نحن جمهور المواطنين بحقوقنا قبل أن نتحول إلى معتدين آثمين، ونعرف متى نوقع، ومتى يكون التوقيع ورطة وليس نزهة أو «على بركة الله» فقط.وبهذه المناسبة أود الإشادة بجهود سبق أن بذلها المحامي عثمان الدعجاني في هذه الصحيفة ومحامون آخرون، بهدف نشر التوعية الحقوقية بين الناس، وكذلك فإن ما لفت نظري هو الفكرة اللافتة والجديرة بالمتابعة والتطوير التي قدمتها المحامية الكويتية أريج عبدالرحمن حمادة، وتتمثل في التوعية الحقوقية بالرسومات الكرتونية، وهي فكرة مهمة، أرى أن يتعاضد محامو الخليج ويجدوا السبل لتنفيذها وأفكار أخرى ونشر التوعية الحقوقية بين الناس، فإن الجهود الفردية مهما كانت قوية ومؤثرة، إلا أن الجهد الجماعي والمؤسسي يعطي بعدا أكثر تأثيرا ويصل إلى مساحات أوسع. إضافة إلى أن ذلك واجب مهني واجتماعي وأخلاقي وديني.*وترهذه الشوارع المكتظة، بالأجساد والأنفاس.. وضجيج السماسرةتلتهم الأجساد، وتصادر صوت الصباح.. والهواء وبهاء السِيف، إذ عناق الثرى والماء..