الخصومة.. عندما لا تنتهي
أعجب لأمر الإنسان إذا خاصم وتمادى في الخصومة، وهو يعلم أن حياته أغلى من أن يهدرها في العداوات والخصومات وهي التي لا تورث سوى الندم، وتغرقه في بحر من السوداوية والتشاؤم، وتلهيه عن كل ما هو جميل في الحياة، وتضيع وقته وهو الأثمن من أن يضيعه في الخصومة المدمرة لكل المعاني الإنسانية الجميلة، والقيم الأخلاقية النبيلة، وإذا نشأت الخصومة بين عامة الناس، فقد تكون لها أسبابها، وهي حتما أسباب -مهما بلغت حدتها- كان بالإمكان تجاوزها بالحكمة والتصرف السليم وحسن النوايا، لكن الأسوأ من كل ذلك هو نشأة الخصومة بين الأصدقاء والأهل.. بين أفراد الأسرة الواحدة، ولأسباب تافهة، تبدأ بالكلام وتنتهي بالخصام، إخوة أشقاء يتخاصمون على أقل الأسباب أهمية، وفي ذلك ما فيه من اتباع خطوات إبليس القائل لرب العزة والجلال: «فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين». وجاء التحذير الرباني واضحا وجليا: «إن عبادي ليس لك عليهم سلطان» وما زال هناك من يستسلم لغواية إبليس، ويندفع إلى اتباعه طائعا، مع أن الخصومة لا تورث بين الناس سوى كل ما يدمر كيانهم، وينغص عيشهم، ويقضي على الجوانب المسشرقة في حياتهم.. وما زال منهم من يوغل في الخصومة غير عابئ بنتائجها السلبية الخطيرة، لتتراجع بذلك المشاعر الإنسانية السامية ومنها الحب الذي شد رحاله عن المجتمعات المعاصرة، تاركا لها الخصومات، يلوذ بها الإنسان أكثر مما يلوذ بالدين نفسه، فمن يعرف حقيقة الدين، لا يعرف أبدا الضغائن والأحقاد والخصومات، لأنها من عمل الشيطان، ومن اتبع الشيطان فبينه وبين الخير ما بين الثرى والثريا. وأخطر ما في خلاف الأصدقاء والأشقاء هو أن يوجد من يعينهم على خطاياهم، ويوقد بينهم نار الخلاف، لتقضي على جذور المحبة، وهي المعضلة التي شغلت أذهان المصلحين في كل العصور، فما زال هناك من لا هم لهم سوى إثارة الخصومة، والابتهاج بنتائجها، وهي نتائج لن ينجو أحد من شرورها، وسيكون الطرفان المتخاصمان أكثر من غيرهما تضررا، وهما وحدهما من سيدفع فاتورة هذه الخصومة، ويتحملان تبعاتها التي تزرع في نفوس الأجيال الجديدة مزيدا من الكراهية. والذين تربوا على تجنب الخصومة، واستعانوا بالمحبة والتسامح، هم أكثر الناس استقراراً في أوضاعم، وأكثرهم انسجاما مع أنفسهم، وأكثرهم تفاؤلا وإقبالا على الحياة. ويبدو أن الحكماء قد رحلوا عن عالم اليوم، ورحلت معهم معاني الحب والطمأنينة والاستقرار النفسي، ليعاني إنسان هذا العصر من الأمراض النفسية، والتقلبات المزاجية، ما يشغله عن النظر إلى جمال الحياة ليستمتع بها، وقد اختصر أحد الحكماء الخصام في قوله: «الخصام آفة من آفات اللسان، ومدخل كبير للشيطان، ومدمر للقلب والأركان، يُفرق بين الأحبة والإخوان، ويحرم صاحبه الأمن والأمان، فالصلح خير في كل زمان ومكان». وعندما لا تنتهي الخصومة، لا يأتي السلام.