القلب والأحشاء ومصائد الحب والتفكير
من يقرأ تراثنا العربي القديم يكتشف أن هناك كثيراً من المفاهيم المتعلقة بأعضاء الإنسان الخاصة بالتفكير أو بالمشاعر يسودها الالتباس والغموض، إذا انطلق المرء من مسلمات العلوم الحديثة (علم الأحياء وعلم النفس وعلم الأعصاب وغيرها من مجالات العلوم البينية). ومن تلك المفاهيم الملتبسة ما يشار إليه في التراث العربي القديم، وحتى في الاستخدامات اللغوية المتأخرة (بعد اكتشاف الخلل المعرفي في مدركات الناس وفقاً للعلوم القديمة)؛ بكون التفكير يصدر عن القلب، وأن مصدر المشاعر (الحب والكره والحزن والتعاطف والإشفاق والرحمة والغضب والانتقام وغيرها من مستويات المشاعر المسيطرة على الإنسان مؤقتاً أو بصورة دائمة) هي الأحشاء. وبالرغم من كون مصطلح الأحشاء يعني كل ما بداخل جسم الإنسان العلوي من أجهزة ذات وظائف حساسة في هضم الطعام، إلا أن المقصود غالباً في أدبيات هذه الثقافة هي الكبد على وجه الخصوص، التي تنسب إليها مهمات تتعلق بإصدار المشاعر أو التأثر بها واعتلال وظائفها نتيجة صدمات المشاعر الحادة. فما الذي جعل تلك الأجهزة المعنية بالدورة الدموية (القلب والأوعية الدموية)، أو بعمليات الجهاز الهضمي (المعدة والكبد وربما غيرهما) تقوم بأمور في غاية الأهمية فيما يخص صناعة القرار، أو خلق الميل العاطفي، أو كونها سريعة التأثر بكل حالات المشاعر التي تعتري الإنسان في بعض مراحل حياته؟ وما مدى صحة عبارات مثل: «ولي كبد محروقة»، أو «قلبي يميل إلى أحد ما (أو إلى هذا الاتجاه أو ذاك)»؟ طبعاً بدأت التساؤلات تُطرح بشأن مدى علاقة القلب، أو غيره من أعضاء الجسم من سوى ما تحتويه الجمجمة، بأمور التفكير أو التوجيه الواعي لبعض أجزاء الجسم الأخرى. وقد أصبح من المسلمات، أن الدماغ هو الذي يتحكم في قرارات الإنسان، وهو الذي يستقبل المحفزات أو المثبطات، أو يقوم بتحليل وضع كلي أو جزئي للبدن؛ فيقرر العمل على إرسال وسائط عبر الدورة الدموية إلى المناطق المعنية بها في الجسم. صحيح أن العملية معقدة جداً، ولم يحلها نهائياً الباحثون من العلوم المعنية بهذه الإجراءات؛ فهناك أطراف ثلاثة تشترك في صنع الحالة العاطفية، وكذلك القرارات الواعية المتصلة بها. الأول هو الجزء المستقبل لأي طارئ في العالم الخارجي، وهو في أغلب الأحيان من الأعضاء التي على تماس مع ذلك العالم؛ والثاني هو ردة الفعل المباشرة لما تأثر به الجزء الخارجي، من أجل نقل تلك الرسالة إلى الدماغ عبر بعض الوسائط (السائلة أو الصلبة)، وهو الذي يقوم بتحليل الرسالة؛ وينشأ بعد ذلك الجزء الثالث، وهو القرار النهائي الذي يتخذه الجزء المعني بالأمر في الدماغ. إذاً عملية التفكير برمتها، وصناعة القرارات العاطفية أو المنطقية (الواعية) بشأن أي أمر من أمور الإنسان، أو علاقاته مع غيره من الناس، أو مع الأشياء من حوله؛ هي قضايا تعد من وظائف الدماغ الحصرية، ولا يشترك معه فيها أي عضو آخر في جسم الإنسان. وبذلك تصبح عبارات مثل: «قلب هذا الشخص طيب» أو «قلب ذلك الشخص أبيض (أو أسود)» في إشارة إلى حسن تعامله مع الآخرين (وهي شؤون خاصة بالدماغ كما أسلفنا) أو كونه حسن الطوية في حالة وصفه بالبياض أو سوء الطوية في حالة الوصف بالسواد، أموراً خاطئة معرفياً، لكن اللغة لا تغير ثوبها بسهولة!.